كانت العلة مشتركة وهنا كَذَلكَ باشتراك الثقلين الجن والإنس في الابتلاء بالْقُوَّة الشهوية
والغضبية. الأولى تؤدي إلَى الفساد في الْأَرْض كالزنا والثانية تؤدي إلَى سفك الدماء
والاستعلاء، فلما شاهدوا أن الجن تعاطوا للفساد والقتل للقوتين الْمَذْكُورتين قاسوا الْإنْسَان
عليهم لتحقق القوتين فيه أَيْضًا. ثم نقل هنا وجهًا آخر وهو أنهم لما سمعوا لفظ خَليفَة فهموا
منه أن في المجعول من يفسد؛ إذ المقصود من الخلافة الإصلاح، وهذا ضعيف؛ لأن الخَليفَة
لا سيما خَليفَة الله تَعَالَى المقصود الأعظم منه تكميل النفوس وتنفيذ الأحكام ويسلم أن
الإصلاح مقصود، لكن الْمُتَبَادَر الإصلاح أولًا لا الإصلاح بعد الإفساد والقتل والعناد.
والخلافة لا دلالة لها عَلَى ذلك أصلًا، وكَيْفَ لا وهم يرجون الخلافة ويدَّعون أنهم أحقاء
بالعلم بمراسم السياسة، فَكَيْفَ فهموا من لفظ الخَليفَة ذلك ولو أراد بأن الخَليفَة مع
ابتلائهم بالقوتين الْمَذْكُورتين فهو عين ما سبق، ولا مدخل للفظ الخَليفَة في ذلك، وأَيْضًا يرد
عليه أنه لو سلم ذلك فما فهم من الخَليفَة صدور الذنب من نوع بني آدم، وليس بمطلوب
والمطلوب صدور القتل وخصوص الفساد منهم وليس بمفهوم، وإن تشبث بمثل ما ذكر
سابقًا فراجع إليه فيكون تطويلًا بلا طائل، وأما ما قيل في رد ذلك من أنه يجوز الخلافة
لدفع فساد من بقي من الجن في الجزائر بعد تفريق الْمَلَائكَة فيها أو يكون إصلاحًا لفساد
نفس الْأَرْض بإنبات الأشجار وشق الأنهار، فلا يخفى وهنه؛ لأنه يوهم أن الْمَلَائكَة لا
يقدرون عَلَى ذلك مع أنه سلم أولًا أنهم دمروهم وفرقوهم، ولأنه يشعر بتسليم أن الخَليفَة
يفهم منه ما ذكره القيل، وقد بانَ خلافه، ولأن المقصود الأهم تكميل النفوس وتنفيذ أوامره
تَعَالَى، وقصر الْمُرَاد من الخلافة عَلَى عمارة الْأَرْض عَلَى ما فهم من بيانه في غاية من
القصور (والسُفْكُ والسَّبْكُ والسَّفْحُ والشَّنُّ أنواع من الصب) لكن فرق بينها فقيل( [فالسفك]
يقال في الدم والدمع، والسبك في الجواهر المذابة، والسفح في الصب من أعلى، والشن في
الصب [من] فم القربة ونحوها، وكَذَلكَ السن) فذكر الدماء بعد السبك إما تجريد أو تأكيد أو
بيان الاسْتعْمَال إن لم يقل إنه جزء من مفهومه. والشن في النصب [من] فم القربة ونحوها مما
يوجب العنف في تفريق الماء، وكَذَلكَ السن والشن بالشين الْمُعْجَمَة والسن بالسين المهملة
كلاهما بمعنى واحد. وقيل في الصحاح وكَذَلكَ سننت الماء عَلَى وجه التراب سنًا أي
أرسلته إرسالًا من غير تفريق، فإذا فرقته في النصب قلت بالشين الْمُعْجَمَة (وَقُرئَ «يُسْفكُ»
على البناء للمَفْعُول، فيكون الراجع إلَى مَنْ، سواء جعل موصولًا أو مَوْصُوفًا مَحْذُوفًا، أي:
يسفك الدماء فيهم. (وَنَحْنُ نُسَبّحُ بحَمْدكَ وَنُقَدّسُ لَكَ) .
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
إبليس وكان اسمه عزازيل حتى هزموا الجن، ولما كانت تلك الواقعة معلومة للْمَلَائكَة وقد كانوا
عرفوا في ذلك أن الجن في جبلتهم الإفساد قاسوا آدم وذريته عليهم؛ لأنهم حين وجدوا يكونون
أحد ثقلي الْأَرْض.