قوله: (حال) أي من الْفَاعل في أتجعل ومثل هذا يدل عَلَى هيئة الْفَاعل بهيئة الحال
وحدها لا مع المادة أي المقارنة بتسبيحهم مع الحمد نحو جاءني زيد والشمس طالعة والهيئة
المقارنة بطلوع الشمس (مقررة) أي مؤكدة (لجهة الإشكال) والسؤال وليس مراده أنه حال
مؤكدة (كقولك أتحسن إلَى أعدائك وأنا الصديق المحتاج) قوله وأنا الصديق الخ. جملة
حالية مقررة لجهة الإشكال، ويحتمل أن يكون الاسْتفْهَام هنا للإنكار الواقعي دون التعجب
فقط فحِينَئِذٍ تكون جملة حالية مقررة للإنكار ولا يضر مقصوده. وجه التقرير ببيان أن فيهم ما
ينافي الخلافة، وهو إفسادهم، وفي الْمَلَائكَة ما هُوَ سبب الاستخلاف وهو العصمة.
قوله: (والْمَعْنَى) أي وحاصل الْمَعْنَى (أتستخلف عصاة) أي الْمُرَاد بالإفساد وسفك
الدماء العصيان مُطْلَقًا كناية، والتَّخْصِيص الْمَذْكُور لبيان كمال قبحه، وكذا أشار بقوله(ونحن
معصومون)إلَى أن قولهم ونحن نسبح كناية عن عصمتهم (أحقاء بذلك) هذا مفهوم من
الفحوى وبه يحصل المرام، وهذه الدعوى منهم بناء عَلَى ما علموا من أحوال بني آدم فلا
كذب. وقوله [أتستخلف] عصاة ينادى عَلَى أنه حمل قوله: (أَتَجْعَلُ فيهَا مَنْ يُفْسدُ) عَلَى معنى
أتجعل فيها من يفسد خَليفَة دون عَلَى معنى أتخلق فيها من يفسد فظهر ضعف ما قيل إن
عبارة العلامتين محتملة لهذا الْمَعْنَى كما هي محتملة لتقدير خَليفَة، وإنَّمَا غرَّه قوله الآتي لا
يقتضي الْحكْمَة إيجادها الخ. والمفهوم لا يعارض المَنْطُوق. وأحقاء جمع حقيق بمعنى
جدير كأصدقاء جمع صديق.
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: حال مقررة لجهة الإشكال فإن ما يتوقع من الإنس من الإفساد وسفك الدماء جهة
وسبب لإشكال الْمَلَائكَة وحيرتهم في سر استخلاف من هذا شأنه لعمارة الْأَرْض وإصلاحها ثم
قوله: عز وجل: (وَنَحْنُ نُسَبّحُ بحَمْدكَ) الآية. مقرر ومؤكد لتلك الجهة لإفإدته أن
من هذا شأنه كَيْفَ يليق بالخلافة مع وجود من هُوَ أحق بها فكأنه قيل استخلاف مثل هذا أمر
متعجب فيه، فَكَيْفَ إذا وجد من هُوَ أحق به؟ فمضمون الحال قد تكررت جهة التعجب والإشكال
ومن ذلك جاء التقرير لتلك الجهة. قوله مع ما هُوَ متوقع منهم. أي ما هُوَ متوقع منهم من الإفساد
وسفك الدماء. وقال بعضهم قوله وسفك الدماء منتظم في سلك جوامع الكلم التي هي من حلية
التنزيل فأتى بلفظ السمك الدال عَلَى الإراقة والإجراء كالمانع، وخص بالْمُضَارِع المنبئ في مثل
هذا المقام عن الاسْتمْرَار نحو فلان يقري الضيف ويحمي الحريم. وجمع الدماء وحلي بلام
الاسْتغْرَاق ليصور شناعة ذلك الْفعْل ويستوعب الأزمنة ويتضمن جميع أنواع الدماء المحظور
كحروب الفساد والفك وقتل النفس المحرمة والواجب كالمجاهدة مع أعداء الدين قال تَعَالَى
(فيقتلون) والمباح كسمك دماء الحيوان المصلحي الديني كأنواع القصاص والسياسي لحفظ نظام
المملكة قال:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق عَلَى جوانبه الدم
فإذن من لوازم هذه الخَليفَة وخواصه أن يكون سفاكًا للدماء لينتظم أمر معاشه ومعاده، ونحن
معاشر الْأَنْبيَاء براء من جميع ذلك لأن دأبنا التسبيح والتحميد، وعادتنا التقديس والتهليل فنودوا من
سرادقات الجلال (إنّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) .