ويبدو غياب الدلالة على القرب وتجاوز لفظة القوم إلى العداوة أوضح في سياق دعوة موسى قومه، وذلك في قوله تعالى: {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ - قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ - قَالَ رَجُلاَنِ مِنْ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ - قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ - قَالَ رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} . إن هذا السياق يظهر التدرج الذي عليه موسى في علاقته مع قومه، فبدأ من مرحلة الانتماء والانشداد إليهم، إذ يدعوهم (يا قوم) فيضع نفسه بينهم ولا يشعرهم بهذا أنه على منزلة أعلى منهم، إلى الحد الذي يذوب فيهم، وهذا ما يشعر به حذف ياء المتكلم واجتزاؤها من (قوم) ، فلم يفصل موسى
نفسه عن قومه، ويبقى هكذا فيهم إلى ان اظهروا تخليا نهائيا عن الخروج معه {اذهب أنت وربك فقاتلا} فأظهرهم بمظهر القوم في إشارة لطيفة إلى ابتعاده عنهم بعد ان لم يتمثلوا حقيقة ما يدعوهم إليه، فصاروا القوم الفاسقين، وهنا اخرج موسى نفسه منهم ان عبر عنهم بـ (القوم) .
يستفاد من مضاعفات هذا السياق ان القوم في السياق القرآني لا يراد بها الانتماء الدموي حسب بل ان انتماءً وصلة أقوى هي المنظورة في علاقة القوم ببعض تلك هو وحدة العقيدة والموقف وتمثل إرادة السماء والفناء في إعلائها.