والمعنى: أي قال الغاوون وهم يخاصمون من معهم من الأصنام والشياطين تالله إننا كنا في ضلال واضح، لا لبس فيه حين سويناكم يا هذه الأصنام برب العالمين في استحقاق العبادة، وعظمناكم تعظيم المعبود الحق، وما أضلنا إلا المجرمون من الرؤساء والكبراء، كما جاء في آية {رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} .
وخلاصة ذلك: أنهم حين رأوا صور تلك الآلهة اعترفوا بالخطأ العظيم الذي كان منهم، وندموا على طاعتهم لأولئك الرؤساء والسادة الذين حملوهم على عبادتها وتعظيم شأنها، ثم أكدوا ندمهم على ما فرط منهم، وحسرتهم على ما صنعوا، فقالوا:
100 - {فَمَا لَنَا} اليوم {مِنْ شَافِعِينَ} يشفعون لنا من العذاب، كما للمؤمنين من الملائكة والأنبياء عليهم السلام
101 - {وَلَا} من {صَدِيقٍ حَمِيمٍ} ؛ أي: ذي قرابة؛ أي: صديق قريب موافق في الدين، كما نرى أن للمؤمنين أصدقاء؛ لأنه لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون، وأما أهل النار فبينهم التباغض والتعادي. والصديق من صدقك في مودته، والحميم القريب المشفق، مأخوذ من حامة الرجل؛ أي: أقربائه، وأفرد الصديق؛ لأنه يطلق على الواحد والإثنين والجماعة والمذكر والمؤنث.
وإنما جمع الشافع لكثرة الشفعاء عادة، ألا ترى أن السلطان إذا غضب على أحد ربما شفع فيه جماعة، كما أن إفراد الصديق لقلته. ولو قيل بعدمه لم يبعد، والمعنى؛ أي: فليس لنا اليوم شفيع يشفع لنا مما نحن فيه من ضيق، أو ينقذنا من هلكة، ولا صديق شفيق يعنيه أمرنا، ويودنا ونوده، ونحو الآية ما جاء في آية أخرى حكاية عنهم: {فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ} ، وقد أرادوا بهذا الإخبار إظهار اللهفة والحسرة على فقد الشفيع والصديق النافع، وقد نفوا أولًا أن يكون لهم من ينفعهم في تخليصهم من العذاب بشفاعة، ثم ترقوا ونفوا أن يكون لهم من يهمه أمرهم ويشفق عليهم، ويتوجع لهم، وإن لم يخلصهم.
والخلاصة: أن الأمر قد بلغ من الهول ما لا يستطيع أحد أن ينفع فيه أدنى نفع، وقد مر لك آنفًا أنما جمع الشافع وأفرد الصديق لكثرة الشفعاء عادة وقلة الصديق، ولهذا قال الشافعي رضي الله عنه: