ومن هذا المعنى قوله تعالى: {قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} [طه: 52] فقوله: {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي} أي لا يذهب عنه علم شيء كائناً ما كان ، وقوله تعالى: {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهدآء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى} [البقرة: 282] فقوله: أن تضل إحداهما: أي تذهب عن علم حقيقة المشهود به بدليل قوله بعده: فتذكر إحداهما الأخرى ، وقوله تعالى عن أولاده يعقوب: {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [يوسف: 8] وقوله: {قَالُواْ تالله إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ القديم} [يوسف: 95] على التحقيق في ذلك كله. ومن هذا المعنى قول الشاعر:
وتظن سلمى أنني أبغي بها... بدلاً أراها في الضلال تهيم
والإطلاق الثاني وهو المشهور في اللغة ، وفي القرآن هو إطلاق الضلال على الذهاب عن طريق الإيمان إلى الكفر ، وعن طريق الحق إلى الباطل ، وعن طريق الجنة إلى النار ومنه قوله تعالى: {غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضآلين} [الفاتحة: 7] .
والإطلاق الثالث: هو إطلاق الضلال على الغيبوبة والاضمحلال ، تقول العرب: ضل الشيء إذا غاب واضمحل ، ومنه قولهم: ضل السمن في الطعام ، إذا غاب فيه واضمحل ، ولأجل هذا سمت العرب الدفن في القبر إضلالاً ، لأن المدفون تأكله الأرض فيغيب فيها ويضمحل.
ومن هذا المعنى قوله تعالى: {وقالوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض} [السجدة: 10] الآية يعنون إذا دفنوا وأكلتهم الأرض ، فضلوا فيها: أي غابوا فيها واضمحلوا.
ومن إطلاقهم الإضلال على الدفن ، قول نابغة ذبيان يرثي النعمان بن الحرث بن أبي شمر الغساني:
فإن تحيى لا أملك حياتي وإن تمت... فما في حياة بعد موتك طائل
فآب مضلوه بعين جلية... وغودر بالجولان حزم ونائل