وعلى كلا الوجهين فجواب موسى فيه اعتراف بظاهر التقرير وإبطال لما يستتبعه من جعله حجة لتكذيبه برسالته عن الله ، ولذلك قابل قول فرعون {وأنت من الكافرين} [الشعراء: 19] بقوله: {وأنا من الضالين} إبطالاً لأن يكون يومئذ كافراً ، ولذلك كان هذا أهم بالإبطال.
وبهذا يظهر وجه الاسترسال في الجواب بقوله: {فوهب لي ربي حكماً وجعلني من المرسلين} ، أي فكان فراري قد عقبه أن الله أنعم عليّ فأصلح حالي وعلمني وهداني وأرسلني.
فليس ذلك من موسى مجرد إطناب بل لأنه يفيد معنى أن الإنسان ابن يومه لا ابنُ أمسِه ، والأحوال بأوَاخرها فلا عجب فيما قصدتَ فإن الله أعلم حيث يجعل رسالاته.
وقوله: {ففررت منكم} أي فراراً مبتدئاً منكم ، لأنهم سبب فراره ، وهو بتقدير مضاف ، أي من خوفكم.
والضمير لفرعون وقومِه الذين ائتمروا على قتل موسى ، كما قال تعالى: {وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك} [القصص: 20] .
والحكم: الحِكمة والعلم ، وأراد بها النبوءة وهي الدرجة الأولى حين كلمه ربّه.
ثم قال: {وجعلني من المرسلين} أي بعد أن أظهر له المعجزة وقال له: {إني اصطفيتك على الناس} [الأعراف: 144] أرسله بقوله: {اذهَب إلى فرعون إنه طغى} [طه: 24] .
ثم عاد إلى أول الكلام فكرّ على امتنانه عليه بالتربية فأبطله وأبى أن يسميه نعمة ، فقوله: {وتلك نعمة} إشارة إلى النعمة التي اقتضاها الامتنان في كلام فرعون إذ الامتنان لا يكون إلا بنعمة.
ثم إن جعلت جملة {أن عبدت} بياناً لاسم الإشارة كان ذلك لزيادة تقرير المعنى مع ما فيه من قلب مقصود فرعون وهو على حد قوله تعالى: {وقضينا إليه ذلك الأمر أنّ دابرَ هؤلاء مقطوعٌ مصبحين} [الحجر: 66] إذ قوله {أن دابر هؤلاء} بيان لقوله: {ذلك الأمر} .