قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ} [الشعراء: 8] أي: في آية الإنبات ، وكل زوج كريم يخرج من الأرض {لآيَةً} [الشعراء: 8] شيء عجيب ودلالة واضحة على مُكوِّن حكيم يعمل الشيء بقصد ونظام ، ينبغي أن تلفتنا إلى قدرة الخالق عز وجل .
{وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ} [الشعراء: 8] يعني: مع كل هذه الآيات لم يؤمنوا ، إلا القليل منهم كما قال تعالى في آية أخرى: {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف: 105] مع أنك لو تأملتَ آية واحدة لكانت كافية لأنْ تلفتك إلى الله .
وَفِي كُلِّ شَيءٍ لَهُ آيةٌ ... تَدلُّ عَلَى أَنَّه الوَاحِدُ
ثم يقول الحق سبحانه: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم}
جاء الحق تبارك وتعالى هنا بصفة {العزيز} [الشعراء: 9] بعد أن قال {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ} [الشعراء: 8] لنعلم أن الذين كفروا لم يكفروا رَغْماً عن الله ، إنما كفروا بما أودع الله فيهم من الاختيار .
فهو سبحانه الذي أعانهم عليه لَمَّا أحبوه وأصروا عليه ؛ لأنه تعالى ربُّهم ، بدليل أنه تعالى لو تركهم مجبرين مرغمين ما فعلوا شيئاً يخالف منهج الله أبداً ، وبدليل أنهم مجبرون الآن على أشياء ومقهورون في حياتهم في مسائل كثيرة ، ومع ذلك لا يستطيع أحد منهم أن يخرج على شيء من ذلك .
فمع إِلْفهم العناد والتمرد على منهج الله ، أيستطيع أحدهم أنْ يتأبَّى على المرض ، أو على الموت ، أو على الأقدار التي تنزل به؟ أيختار أحد منهم يوم مولده مثلاً ، أو يوم وفاته؟ أيختار طوله أو قوته أو ذكاءه؟
لكن لما أعطاهم الله الصلاحية والاختيار اختاروا الكفر ، فأعانهم الله على ما أحبُّوا ، وختم على قلوبهم حتى لا يخرج منها كفر ، ولا يدخلها إيمان .