فلو شاء ربك لآمن مَنْ في الأرض كلهم جميعاً ، لا يتخلف منهم أحد ، بدليل أنه سبحانه خلق الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ، ويفعلون ما يؤمرون ، وبدليل أنه سبحانه بعث رسلاً وعصمهم ، ولم يجعل للشيطان سبيلاً عليهم ، وبدليل أن الشيطان بعد أن تعهّد أن يُغوي بني آدم ليكونوا معه سواء في المعصية قال له: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42] .
والشيطان نفسه يقول: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين} [ص: 8283] .
إذن لو أراد سبحانه لجعلَ الناس جميعاً مؤمنين وما عَزَّ عليه ذلك ، لكنه أراد سبحانه أن يكون الإيمان باختيار المؤمن ، فيأتي ربه طواعية مختاراً .
حتى في أمور الدنيا وأهلها ، قد ترى جباراً يضرب الناس ، ويُخضعِهم لأمره ونهيه ، فيطيعونه طاعةَ قوالب ، إنما أيستطيع أنْ يُخضِع بجبروته قلوبهم؟!
وقال: {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 4] خَصَّ الأعناق ؛ لأنها مظهر الخضوع ، فأول الخضوع أنْ تلوى الأعناق ، أو الأعناق تُطلَق عند العرب على وجوه القوم وأعيانهم ؛ لذلك يقولون في التهديد: هذه مسألة تضيع فيها رقاب .
والمراد: الرقاب الكبيرة ذات الشأن ، لا رقاب لمامة القوم ، والضعفاء ، أو العاجزين . ومثلها كلمة صدور القوم يعني: أعيانهم والمقدَّمين منهم الذين يملأون العيون .
والمعنى: فأنت لا تُخضِع الناس ؛ لأني لو أردتُ أنْ أُخضعهم لأخضعتُهم ؛ لذلك يقول تعالى في آية آخرى: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99] .