وفي موضع آخر ، يقول سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر: 8] فهذا أمر نهائي واضح ، ونَهْي صريح ، بعد أنْ لفتَ نظره بالإنكار ، فقال: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} [الشعراء: 3] .
وقد نبّه الله تعالى رسوله في عِدّة مواضع حتى لا يُحمِّل نفسه فوق طاقتها ، فقال الحق سبحانه وتعالى: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ وَعَلَيْنَا الحساب} [الرعد: 40] .
وقال: {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية: 22] .
وقال: {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} [ق: 45] .
فالحق تبارك وتعالى يقول لرسوله: يسِّر على نفسك ، ولا تُكلِّفها تكليفاً شاقّاً مُضْنياً ، والعتاب هنا لصالح الرسول ، لا عليه .
ثم يقول الحق سبحانه: {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء}
والآية هنا ليست آيةَ إقناع للعقول ، إنما آية تُرْغمهم وتُخضع رقابهم ، وتُخضع البنية والقالب ، وهذا ليس كلاماً نظرياً يُقال للمكذبين ، إنما حقائق وقعتْ بالفعل في بني إسرائيل . واقرأ إنْ شئت قوله تعالى: {وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وظنوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ} [الأعراف: 171] .
فأخذوا ما آتيناهم بقوة ، لماذا؟ بالآية التي أرغمتهم وأخضعتْ قوالبهم ، لكن الحق تبارك وتعالى كما قلنا لا يريد بالإيمان أنْ يُخضع القوالب ، إنما يريد أن يُخضع القلوب باليقين والاتباع .