{بِمَا لَدَيْهِمْ . .} [المؤمنون: 53] بالرأي الذي يريدونه ، لا بالحكم الذي يرتضيه الحق سبحانه وتعالى .
من ذلك قولهم: إن الصلاة في مسجد به قبر أو ضريح باطلة ، وأن ذلك شرك في العبادة . . إلخ ولو أن الأمر كما يقولون فليهدموا القبر في المدينة .
إن على هؤلاء الذين يثيرون مثل هذه الخلافات أنْ يتفهموا الأمور على وجهها الصحيح ، حتى لا نكون من الذين قال الله عنهم: {فتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53] .
وما أفسد استقبال الأديان السابقة على الإسلام إلا مثل هذه الخلافات ، وإلاّ فكل دين سبق الإسلام وخصوصاً الموسوية والعيسوية قد بشَّرَتْ بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وكانوا وهم أهل كتاب ورسالة وعلى صلة بالسماء - يجادلون أهل الكفر من عبدة الأصنام يقولون: لقد أطلَّ زمان نبي يظهر فيكم نتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم .
ومع ذلك: {فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ . .} [البقرة: 89] لماذا؟ لأنهم يريدون أن يحتفظوا بسلطتهم الزمنية .
كيف لا ينكرون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد كان أحدهم يستعد لتنصيب نفسه ملكاً على المدينة يوم أنْ دخلها رسول الله ، فأفسد عليه ما أراد؟
فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54)
{فَذَرْهُمْ . .} [المؤمنون: 54] يعني: دَعْهم ، والعرب لم تستعمل الماضي من هذين الفعلين ، فورد فيهما يدع ويذر . وقد ورد هذا الفعل أيضاً في قوله تعالى: {وَذَرْنِي والمكذبين أُوْلِي النعمة . .} [المزمل: 11] .
وفي قوله تعالى: {فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بهذا الحديث . .} [القلم: 44] .
والمعنى: ذرهم لي أنا أتولى عقابهم ، وأفعل بهم ما أشاء ، أو: ذرهم يفعلون ما يشاءون ليستحقوا العقاب ، وينزل بهم العذاب .