والغمرة: جملة الماء التي تغطي قامة الرجل وتمنع عنه التنفس ، فلا يبقى له من أمل في الحياة إلا بمقدار ما في رئته لأكبر قدر من الهواء ؛ لذلك يحرص الإنسان على أنْ يُمرِّن نفسه على أن تتسع رئته لأكبر قدر من الهواء .
ومن ذلك أخذت كلمة المنافسة ، وأصلها أن يغطس اثنان تحت الماء ليختبر كل منهما الآخر: أيّهما يبقى فترة أطول تحت الماء ودون تنفس .
ويقول تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المتنافسون} [المطففين: 26] وتستطيع أن تُجري مع نفسك هذه المنافسة ، بأن تأخذ نفساً عميقاً ثم تعد: واحد ، اثنان وسوف ترى مقدار ما في رئتك من الهواء .
فالمعنى: ذَرْهم في غبائهم وغفلتهم فلن يطول بهم الوقت ؛ لأنهم كمن غمره الماء ، وسرعان ما تنكتم أنفاسه ويفارق الحياة ؛ لذلك قال تعالى بعدها: {حتى حِينٍ} [المؤمنون: 54] والحين مدة من الزمن قد تطول ، كما في قوله تعالى: {تؤتي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا . .} [إبراهيم: 25] .
وقد تقتصر كما في قوله تعالى: {فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم: 17] وكأن الله تعالى عَبّر بالغمرة ليدل على أن حينهم لن يطول .
ثم ينتقل السياق ليعالج قضية قد تشغل حتى كثيراً من المؤمنين: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ . .} .
هذه قضية شغلت كثيراً من المؤمنين حين يروْنَ الكافرين بالله مُرفَّهين مُنعّمين ، في يدهم المال والنفوذ ، في حين أن المؤمنين فقراء ، وربما تشكّك البعض واهتزَّ إيمانه لهذه المتناقضات .
ونقول لهؤلاء: لم تكن هذه صورة المؤمنين في الماضي ، إنهم سادوا الدنيا بعلومهم وثقافاتهم وازدهرتْ حضارتهم على مدى ألف سنة من الزمان ، فلما تخلَّوْا عن دينهم وقِيَمهم حَلَّ بهم ما هم فيه الآن .