بعد أن تكلَّم الحق - سبحانه وتعالى - عن المعركة بين الإيمان والكفر أراد هنا أن يتكلم عن معركة أخرى لا تقلّ خطورة عن الأولى ، وهي معركة الفُرْقة والاختلاف بين صفوف المؤمنين ، ليحذرنا من الخلافات التي تشقُّ عصانا ، وتفُتُّ في عَضُد الأمة وتُضِعفها أمام أعدائها ، ونسمعهم الآن يقولون عنَّا بعدما وصلنا إليه من شيع وأحزاب - ليتفقوا أولاً فيما بينهم ، ثم يُبشِّروا بالإسلام .
الأمة: الجماعة يجمعهم زمن واحد أو دين واحد ، وتُطلَق على الفرد الواحد حين تجتمع فيه خصال الخير التي لا تجتمع إلا في أمة ، لذلك سمَّى الله تعالى نبيه إبراهيم أمة في قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركين} [النحل: 120] .
أما قوله سبحانه: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً . .} [المائدة: 48] فكيف نقول: إنها أمة واحدة؟
قالوا: لأن الدين يتكّون من أصول وعقائد ، وهذه واحدة لا تختلف باختلاف الأديان ، وأخلاق وفروع . وهذه تختلف من دين لآخر باختلاف البيئة ؛ لأنها تأتي بما يناسب حركة الحياة في كل عصر .
يقول تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى وعيسى أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ . .} [الشورى: 13]
إذن: فالأمة واحدة يعني في عقائدها وإن اختلفتْ في الشريعة والمنهج ، والأحكام الجزئية التي تتعرض لأقضية الحياة . ومن ذلك قوله تعالى: {وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ . .} [آل عمران: 50] .
وكانوا في الأمم السابقة إذا وقعت نجاسة على ثوب يقطعون الموضع الذي وقعت عليه ، فلما جاء الإسلام خفَّف عن الناس هذا العَنت ، وشرع لهم أنْ يغسلوه فيطهر .