أي: وإنا على إذهاب هذا الماء الذي أسكناه في باطن الأرض لقادرون، بأن نجعله يتسرب إلى أسفل طبقات الأرض فلا تستطيعون الوصول إليه، أو بأن نزيله من الأرض إزالة تامة، لأن القادر على إنزاله قادر على إزالته وإذهابه، ولكنا لم نفعل ذلك رحمة بكم، وشفقة عليكم، فاشكرونا على نعمنا وضعوها في مواضعها الصحيحة.
قال صاحب الكشاف: «قوله: عَلى ذَهابٍ بِهِ من أوقع النكرات وأحزها للمفصل.
والمعنى: على وجه من وجوه الذهاب به، وطريق من طرقه، وفيه إيذان باقتدار المذهب، وأنه لا يتعايى عليه شيء إذا أراده، وهو أبلغ في الإبعاد، من قوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ.
فعلى العباد أن يستعظموا النعمة في الماء. ويقيدوها بالشكر الدائم، ويخافوا نفارها إذا لم تشكر.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ. ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ... .
ثم بين - سبحانه - الآثار الجليلة المترتبة على إنزال الماء من السماء فقال: فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ ...
أي: فأوجدنا لكم بسبب نزول الماء على الأرض بساتين متنوعة، بعضها من نخيل، وبعضها من أعناب، وبعضها منهما معا، وبعضها من غيرهما.
وخص النخيل والأعناب بالذكر، لكثرة منافعهما، وانتشارهما في الجزيرة العربية، أكثر من غيرهما.
لَكُمْ فِيها أي: في تلك الجنات فَواكِهُ كَثِيرَةٌ تتلذذون بها في مأكلكم وَمِنْها. أي: ومن هذه البساتين والجنات تَأْكُلُونَ ما تريدون أكله منها في كل الأوقات.
والمراد بالشجرة في قوله - تعالى - بعد ذلك: وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ ... ،
شجرة الزيتون. وهي معطوفة على «جنات» من عطف الخاص على العام.
أي: فأنشأنا لكم بسبب هذا الماء النازل من السماء، جنات، وأنشأنا لكم بسببه - أيضا - شجرة مباركة تخرج من هذا الوادي المقدس الذي كلم الله - تعالى - عليه موسى - عليه السلام - وهو المعروف بطور سيناء. أي: بالجبل المسمى بهذا الاسم في منطقة سيناء، ومكانها معروف.