18 - {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ} ؛ أي: من السحاب {مَاءً} ؛ أي: مطرًا {بِقَدَرٍ} ؛ أي: بقدر الحاجة لا هو بالكثير، فيفسد الأرض، ولا هو بالقليل، فلا يكفي الزرع، والثمار، حتى إن الأرضين التي تحتاج إلى ماء كثير لزرعها، ولا تحتمل تربتها إنزال المطر عليها، يساق إليها الماء من بلاد أخرى، كما في أرض مصر، ويقال: لمثلها {الْأَرْضِ الْجُرُزِ} فيساق إليها ماء النيل، حاملًا معه الطين الأحمر، يجترفه من بلاد الحبشة، في زمن الأمطار، فيستقر فيها، ويكون سمادًا لها، ونافعًا لزرعها {فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ} ؛ أي: فجعلنا ذلك الماء، النازل من السماء، ثابتًا قارًا في الأرض، فيتغذى به، فهما من الحب والنوى، ومنه تتكون الآبار والعيون، التي تمر على معادن مختلفة، فتتشكل، وتتصف بصفاتها، فيكون ماؤها حاويًا، إما للنشادر، وإما للكبريت، وإما للأملاح، وهكذا {وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ} ؛ أي: على إذهابه وإزالته بالإفساد، أو التصعيد أو التغوير {لَقَادِرُونَ} بحيث يتعذر استخراجه، حتى تهلكوا أنتم، ومواشيكم عطشًا، كما كنا قادرين على إنزاله، ولو شئنا أن لا يمطر السحاب لفعلنا, ولو شئنا لصرفناه عنكم إلى جهات أخرى، لا تستفيدون منه، كالأراضي السبخة، والصحارى، ولو شئنا لجعلناه إذا نزل في الأرض يغور فيها، إلى مدى بعيد، لا تصلون إليه، ولا تنتفعون به، ولكن بلطفنا، ورحمتنا، ننزل عليكم الماء العذب الفرات، ونسكنه في الأرض، ونسلكه ينابيع فيها, لتسقوا به الزرع، والثمار، وتشربوا منه أنتم ودوابكم وأنعامكم.
وفي هذا تهديد شديد، لما يدل عليه، من قدرته سبحانه على إذهابه، وتغويره، حتى يهلك الناس بالعطش، وتهلك مواشيهم، ومثله قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30) } .