وفي"الأسئلة المقحمة"هذا يدل على أن العبد خالق أفعاله، ويكون الرب أحسن في الخالقية؟ فالجواب معناه: أحسن المصورين لأن المصور يصور الصورة، ويشكلها على صورة المخلوق، أخبر به سبحانه؛ لأنه لا يبلغ في تصويره إلى حدّ الخالق؛ لأنه لن يقدر على أن ينفخ فيها الروح، وقد ورد الخلق في القرآن، بمعنى: التصوير. قال تعالى: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} ؛ أي: وإذ تصور فكذلك هاهنا انتهى.
15 - {ثُمَّ إِنَّكُمْ} يا بني آدم {بَعْدَ ذَلِكَ} ؛ أي: بعدما ذكر من التركيب بالأمور العجيبة؛ أي: ثم أنكم بعد النشأة الأولى من العدم {لَمَيِّتُونَ} ؛ أي: لصائرون إلى الموت، لا محالة، كما تؤذن به صيغة فيعل، الدالة على الثبوت، دون الحدوث الذي يفيده صيغة الفاعل.
وقرأ زيد بن علي وابن أبي عبلة وابن محيصن: {لمائتون} بالألف، يريد حدوث الصفة، فيقال: أنت مائت عن قليل، وميت، ولا يقال: مائت، للذي قد مات، وقال الزمخشري: والفرق بين الميت والمائت، أن الميت، كالحي صفة ثابتةً، وأما المائت، فيدل على الحدوث، تقول: زيد مائت الآن، ومائت غدًا، كقولك: يموت، ومثله: ضيق وضائق، في قوله: {وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} انتهى.
16 - {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ؛ أي: عند النفخة الثانية، {تُبْعَثُونَ} ؛ أي: تخرجون من قبوركم للحساب، ثم المجازاة بالثواب، والعقاب، إذ يوفى كل عامل جراء عمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشرّ.
وخلاصة ما تقدم: أنه تعالى بعد أن ذكر أنه كلف عباده بما كلف، بيّن أن هذه التكاليف شكر من الإنسان لربه، الذي أنشأه النشأة الأولى، وقلبه في أطوار مختلفة، حتى أوصله إلى طور هو غاية كماله، فأصبح قادرًا على. تكليفه بتلك التكاليف، ولا بد له من طور يستحق فيه الجزاء، على ما كلف به، وهو طور البعث بعد الموت يوم القيامة.