وقرأ الجمهور {عِظَامًا} والعظام: بالجمع فيهما، وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبان والمفصل والحسن وقتادة وهارون والجعفي ويونس عن أبي عمرو وزيد بن علي بالإفراد فيهما، وقرأ السلمي وقتادة أيضًا، والأعرج والأعمش ومجاهد وابن محيصن بإفراد الأول، وجمع الثاني، وقرأ أبو رجاء إبراهيم بن أبي بكر ومجاهد أيضًا بجمع الأول وإفراد الثاني، فالإفراد يراد به الجنس.
{ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ} ؛ أي: صيرنا ذلك المذكور من العظام وكسوته {خَلْقًا آخَرَ} ؛ أي: خلقًا مباينًا للخلق الأول إذ نفخنا فيه الروح، وجعلناه حيوانًا بعدما كان أشبه بالجماد، ناطقًا سميعًا بصيرًا، وأودعنا فيه من الغرائب ظاهرها، وباطنها ما لا يحصى.
أي: حولنا العظام المستورة باللحم، عن صفاتها، إلى صفة لا يحيط بها شرح الشارحين، فإن الله جعلها حيوانًا ناطقًا سميعًا بصيرًا عاقلًا، وأودع كل جزء من أجزائه، عجائب وغرائب، لا يحيط بها وصف الواصفين، والإنشاء إيجاد الشيء، وتربيته، وأكثر ما يقال ذلك، في الحيوان، و {ثم} هنا لكمال التفاوت بين الخلقين، واحتج به أبو حنيفة رحمه الله، على أن من غصب بيضة، فأفرخت عنده، لزمه ضمان البيضة لا الفرخ، فإنه خلق آخر.
قال في"الأسئلة المقحمة": خلق الله الآدمي أطوارًا، ولو خلقه دفعة واحدة كان أظهر في كمال القدرة، وأبعد عن نسبة الأسباب، فما معناه؟ فالجواب: لا، بل الخلق بعد الخلق، بتقليب الأعيان، واختراع الأشخاص، أظهر في القدرة، فإنه تعالى خلق الآدمي من نطفة متماثلة الأجزاء، ومن أشياء كثيرة، مختلفة المراتب، متفاوتة الدرجات، من لحم وعظم ودم وجلد وشعر وغيرها، ثم خصّ كل جزء منها، بتركيب عجيب، واختصاص غريب من السمع والبصر واللمس والمشي والذوق والشم وغيرها، وهي أبلغ في إظهار كمال الإلهية، والقدرة {فَتَبَارَكَ اللَّهُ} ؛ أي: تزايد بره وخيره، وإحسانه لعباده مرة بعد مرة، وكرة بعد كرة، إن قلنا إنه مأخوذ من البركة، أو تعالى شأنه من علمه الشامل، وقدرته الباهرة {أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} بدل من الجلالة؛ أي: أحسن الخالقين خلقًا؛ أي: أحسن المقدرين تقديرًا، حذف المميز لدلالة الخالقين عليه، فالحسن للخلق.