{فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً} ؛ أي: ثم صيرنا ذلك الدم الجامد الأحمر، مضغة؛ أي: لحمًا صغيرًا بمقدار ما يمضغ أربعين يومًا، لا استبانة ولا تمايز فيها {فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ} ؛ أي: غالبها ومعظمها أو كلها {عِظَامًا} ؛ أي: فصيرنا اللحم الصغير عظامًا بلا لحم، بعد ثلاث أربعينات بأن صلبناها وجعلناها عمودًا للبدن على هيئات مخصوصة من رأس ورجلين، وما بينهما، وأوضاع مخصوصة تقتضيها الحكمة، أو ميزنا بين أجزائها، فما كان منها: من العناصر الداخلة في تكوين العظام، جعلناه عظامًا، وما كان من مواد اللحم، جعلناه لحمًا، والمواد الغذائية شاملة لذلك، ومنبتة في الدم، ومن ثم قال: {فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ} المعهودة {لَحْمًا} من بقية المضغة، وشددناها بالأعصاب، والعروق، فاللحم يستر العظام، كالكسوة؛ أي: كسونا كل عظم من تلك العظام، ما يليق به من اللحم على مقدار لائق به، وهيئات مناسبة له؛ أي: فجعلنا اللحم كسوة لها، من قبل أن يستر العظام، فأشبه الكسوة الساترة للجسم، وجمع العظام لاختلافها.
واختلاف العواطف بالفاء، و (ثم) لتفاوت الاستحالات، يعني: أن بعضها مستبعد حصوله، مما قبله، وهو المعطوف بـ {ثُمَّ} ، فجعل الاستبعاد عقلًا، أو رتبةً بمنزلة التراخي، والبعد الحسّي؛ لأن حصول النطفة من أجزاء ترابية غريب جدًّا، وكذا جعل النطفة البيضاء دمًا أحمرًا، بخلاف جعل الدم لحمًا مشابهًا له في اللون، والصورة، وكذا تصلبها حتى تصير عظمًا؛ لأنه قد يحصل ذلك بالمكث، فيما يشاهد، وكذا مد لحم المضغة عليه؛ ليستره، فسقط ما قيل: إن الوارد في الحديث؛ إن مدة كل استحالة أربعون، وذلك يقتضي عطف الجمع بـ {ثم} ، إن نظر لآخر المدة، وأولها، أو يقتضي العطف بالفاء إن نظر لآخرها فقط اهـ من"الشهاب"، مع تقديم وتأخير. وهذا في العواطف الخمسة الأولى، وأما قوله: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} ، فعطفه بـ {ثم} للتفاوت بين الخلقين، كما في"البيضاوي".