قوله: {مِّن طِينٍ} في"مِنْ"وجهان ، أحدهما: أنها لابتداءِ الغايةِ . والثاني: أنها لبيانِ الجنسِ . قال الزمخشري: " فإنْ قلتَ: ما الفرقُ بين"مِنْ"ومِنْ "؟ قلت الأُوْلى للابتداءِ ، والثانيةٌ للبيانِ كقولِه: {مِنَ الأوثان} . قال الشيخ: " ولا تكونُ للبيان ؛ إلاَّ إذا قلنا: إنَّ السُّلالةَ هي الطينُ . أمَّا إذا قُلْنا: إنه مِنْ أُنْسِل من الطين ف"مِنْ"لابتداءِ الغاية " .
وفيما تتعلَّق به"مِنْ"هذه أوجهٌ ، أحدُها: أنَّها تتعلَّقُ بمحذوفٍ إذ هي صفةٌ ل"سُلالة". الثاني: أنَّها تتعلَّقُ بنفس"سُلالة"؛ لأنها بمعنى مَسْلولة . الثالث: أنها تتعلَّقُ ب"خَلَقْنا"لأنها بدلٌ مِن الأولى ، إذا قلنا: إن السُّلالةَ هي نفسُ الطين .
ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13)
قوله: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً} : في هذا الضميرِ قولان ، أحدهما: أنه يعودُ للإِنسانِ . فإنْ أُريد غيرُ آدمَ فواضحٌ ، ويكون خَلْقُه مِنْ سُلالةِ الطينِ خَلْقَ أصلِه وهو آدمُ ، فيكونُ على حَذْفِ مضافٍ . وإن كان المرادُ به آدمَ فيكونُ الضميرُ عائداً على نَسْلِه أي: جَعَلْنا نَسْلَه فهو على حَذْفِ مضافٍ أيضاً . أو عاد الضميرُ على الإِنسانِ اللائقِ به ذلك ، وهو نَسْلُ آدمَ ، فلفظُ الإِنسانِ من حيث هو صالحٌ للأصلِ والفرعِ ، ويعود كلُّ شيءٍ لِما يليقُ به . وإليه نحا الزمخشري .
قوله: {فِي قَرَارٍ} يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بالجَعْل ، وأَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ ل"نُطْفَة". والقَرار: المستقَرُّ وهو مَوْضِعُ الاستقرارِ . والمرادُ بها الرَّحِمُ . ووُصِفَتْ ب"مَكِيْن"لمكانةِ التي هي صفةٌ المُسْتَقِرِّ فيها ، لأحدِ معنيين: أمَّا على المجازِ كطريقٍ سائر ، وإنما السائرُ مَنْ فيه ، وإمَّا لمكانتِها في نفسِها لأنها تمكَّنَتْ بحيث هي وأُحْرِزَتْ .