وبعد هذه العجائب التي رأيناها في مراحل خَلْق الإنسان وخروجه إلى الحياة والإقرار لله تعالى بأنه أحسن الخالقين ، يُذكِّرنا سبحانه بأن هذه الحياة لن تدوم ، فيقول تبارك وتعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيِّتُونَ}
ولك أنْ تسأل: كيف يُحدِّثنا الحق - تبارك وتعالى - عن مراحل الخَلْق ، ثم يُحدِّثنا مباشرة عن مراحل الموت والبعث؟
نقول: جعلهما الله تعالى معاً لتستقبل الحياة وفي الذِّهْن وفي الذاكرة ما ينقض هذه الحياة ، حتى لا تتعالى ولا تغفل عن هذه النهاية ولتكُنْ على بالك ، فتُرتِّب حركة حياتك على هذا الأساس .
ومن ذلك أيضاً قول الله تعالى: {تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الذي خَلَقَ الموت والحياة لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً . .} [الملك: 1 - 2] كأنه سبحانه ينعى إلينا أنفسنا قبل أنْ يخلق فينا الحياة ، وقدَّم الموت على الحياة حتى الحياة وتستقبل قبلها الموت الذي ينقضها فلا تغتر بالحياة ، وتعمل لما بعد الموت .
وقد خاطب الحق - سبحانه وتعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} [الزمر: 30] البعض يظن أن ميَّت بالتشديد يعني مَنْ مات بالفعل ، وهذا غير صحيح ، فالميِّت بتشديد الياء هو ما يؤول أمره إلى الموت ، وإنْ كان ما يزال على قيد الحياة ، فكلنا بهذا المعنى ميِّتون ، أمّا الذي مات بالفعل فهو ميْت بسكون الياء ، ومنه قول الشاعر:
لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَراحَ بِمَيْتٍ ... إنما الميْتُ ميِّتُ الأحْياءِ
ومعنى: {بَعْدَ ذلك} [المؤمنون: 15] يعني: بعد أطوار الخَلْق التي تقدمت من خَلْق الإنسان الأول من الطين إلى أنْ قال سبحانه: {فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين} [المؤمنون: 14] .