والمتأمل في هذه الآية وهي تُحدِّثنا عن الموت الذي لا ينكره أحد ولا يشكّ فيه أحد ، ومع ذلك أكدها الحق - تبارك وتعالى - بأداتين من أدوات التوكيد: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيِّتُونَ} [المؤمنون: 15] فأكّدها بإنّ وباللام ، ومعلوم أننا لا نلجأ إلى التوكيد إلا حين يواجهنا منكر ، فيأتي التأكيد على قَدْر ما يواجهك من إنكار ، أما خالي الذهن فلا يحتاج إلى توكيد .
تقول مثلاً لخالي الذهن الذي لا يشك في كلامك: يجتهد محمد ، فإنْ شك تؤكد له بالجملة الاسمية التي تفيد ثبوت واستقرار الصفة: محمد مجتهد ، وتزيد من تأكيد الكلام على قدر الإنكار ، فتقول: إن محمداً مجتهد ، أو إن محمداً لمجتهد ، أو والله إن محمداً لمجتهد . هذه درجات للتأكيد على حسْب حال مَنْ تخاطبه .
إذن: أكّد الكلام عن الموت الذي لا يشكّ فيه أحد ، فقال: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيِّتُونَ} [المؤمنون: 15] ومع ذلك لما تكلَّم عن البعث وهو محلّ الشك والإنكار قال سبحانه: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ}
ولم يقُلْ: لتبعثون كما قال {لَمَيِّتُونَ} [المؤمنون: 15] فكيف يؤكد ما فيه تصديق وتسليم ، ولا يؤكد ما فيه إنكار؟
قالوا: نعم ؛ لأن المتكلم هو الله تعالى ، الذي يرى غفلتكم عن الموت رغم وضوحه ، فلما غفلتم عنه كنتم كالمكذِّبين به المنكرين له ، لذلك أكد عليه ، لذلك يقال:"ما رأيت يقيناً أشبه بالشك من يقين الناس بالموت"فالكل يعلم الموت ويعاينه ، لكن يبعده عن نفسه ، ولا يتصوّره في حقه .