ويقال: إن سيدنا معاذ بن جبل نطق بها أيضاً ، وكذلك نطق بها رجل آخر هو عبد الله بن سعد بن أبي السرح ، مع اختلاف في نتيجة هذا النطق: لما نطق بها عمر ومعاذ رضي الله عنهما كان استحساناً وتعجباً ينتهي إلى الله ، ويُقِرّ له سبحانه بالقدرة وبديع الصُّنْع .
أما ابن أبي السرح فقد قالها كذلك تعجباً ، لكن لما وافق قولُه قولَ القرآن أُعْجِب بنفسه ، وادعى أنه يُوحَى إليه كما يُوحَى إلى محمد ، ولم لا وهو يقول كما يقول القرآن ، ومع ذلك هو ما يزال مؤدباً يدَّعي مجرد أنه يوحى إليه ، لكن زاد تعاليه وجَرَّه غرور إلى أنْ قال: سأنزل مثلما أنزل الله ، فليس ضرورياً وجود الله في هذه المسألة ، فارتدّ والعياذ بالله بسببها ، وفيه نزل قول الله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ الله . .} [الأنعام: 93] .
"وظل ابن أبي السرح إلى فتح مكة حيث شفع فيه عثمان رضي الله عنه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رأى رسول الله حِرْص عثمان عليه سكت ، ولم يقُلْ فيه شيئاً ، وعندها أخذه عثمان رضي الله عنه وانصرف ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته:"أما كان فيكم مَنْ يُجهز عليه؟"فقالوا: يا رسول الله لو أومأتَ لنا برأسك؟ يعني: أشرْتَ إلينا بهذا ، انظر هنا إلى منطق النبوة ، قال صلى الله عليه وسلم:"لا ينبغي أن يكون لنبي خائنة الأعين"يعني: هذا تصرُّف لا يليق بالأنبياء ، فلو فعلتموها من أنفسكم كان لا بأس ."
ثم بعد ذلك تحل بركة عثمان على ابن أبي السرح فيُؤمن ويَحْسُن إسلامه ، ثم يُولِّي مصر ، ويقود الفتوحات في إفريقيا ، ويتغلب على الضجة التي أثاروها في بلاد النوبة ، وكأن الله تعالى كان يدخره لهذا الأمر الهام .