فالحق - تبارك وتعالى - يعطينا صورة من واقعنا المشاهد ، ويستعير من فلاحة الأرض ليعبر عن فلاح المؤمن وفوزه بالنعيم المقيم في الآخرة ، فالفلاح يحرث أرضه ويسقيها ويرعاها فتعطيه الحبة بسبعمائة حبة ، وهكذا سيكون الجزاء في الآخرة: {مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261] .
فإذا كانت الأرض المخلوقة لله عز وجل تعطي كل هذا العطاء ، فما بالك بعطاء مباشر من خالقك وخالق الأرض التي تعطيك؟ وكما أن الفلاح إذا تعب واجتهد زاد محصوله ، كذلك المؤمن كلما تعب في العبادة واجتهد زاد ثوابه وتضاعف جزاؤه في الآخرة.
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)
كان أول ظاهرية الفلاح في الصلاة ، وما يزال الحديث عنها موصولاً بما قاله ربنا في الآيات السابقة: {يا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اركعوا واسجدوا وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ . .} [الحج: 77] وقال بعدها: {فَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة . .} [الحج: 78] .
وهنا جعل أول وصف للمؤمنين الذين أفلحوا {الذين هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 2] فلم يقل مثلاً: مؤدون ؛ لأن أمر أداء الصلاة في حق المؤمنين مفروغ منه ، العبرة هنا بالهيئة والكيفية ، العبرة بالخشوع والخضوع وسكينة القلب وطمأنينته واستحضار الله الذي تقف بين يديه .
كما تقول لولدك: اجلس أمام المعلم باهتمام ، واستمع إليه بإنصات ، فأنت لا توصيه بالذهاب إلى المدرسة أو حضور الدرس ، فهذا أمر مفروغ منه ؛ لذلك تهتم بجوهر الموضوع والحالة التي ينبغي أن يكون عليها .