يتعرض لجعله مكانًا للظلمات بل اكتفى ببيان وجه جمعها مع أنها ملابسة له بالمجاورة
إما للاكتفاء بهذا أو لحمل في هناك عَلَى معنى مع وهنا عَلَى معنى الملابسة كما هُوَ ظاهر
عبارته في الموضعين حيث قال هناك مع ظلمة الليل وهنا وجعله مكانًا ونظير ما ذكرناه
علفتها تبنًا وماء باردًا. والمص حمل قَوْلُه تَعَالَى:(وَالَّذينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإيمَانَ منْ
قَبْلهمْ)، الآية. عَلَى هذا الوجه في تقدير، ولما كان الْمُرَاد والمكان مَجَازًا فلا
يظهر وجه ما قاله صاحب الكشف. فإن قلت: والرعد أي الصوت والبرق أي النارية
واللمعان كلها أعراض والأعراض لا تتمكن في مكان إلا بنوع توسع من غير فرق بين
المطر والسحاب وبين الظلمة والرعد غاية ما في الباب أن وجه التلبس يكون في البعض
أوضح كالرعد بالنسبة إلَى السحاب. قلت معنى الظرفية التي تفيدها في أعم من أن يكون
على وجه التمكن في المكان كالجسم في الحيز أو عَلَى وجه الحلول في المحل كالعرض
في الموضوع أو عَلَى وجه الاخْتصَاص بالزمان كالضرب في وقت كذا إلَى آخر قول
الْمُصَنّف لأنهما في أعلاه ومنحدره ملتبسين به شاهد عَلَى المجازية فلا نعرف وجه
تطويل الْكَلَام في تحرير المرام.
قوله: (لأنهما في أعلاه ومنحدره) بضم الميم وفتح الدال المهملة اسم مكان وعن
الحسن أن السماء الدُّنْيَا موج مكفوف أي ممنوع عن السيلان والمطر ينزل منَ السَّمَاء الدُّنْيَا
كما نطق به قوله: (وأنزل منَ السَّمَاء ماء) الآية. فعلى هذه الرّوَايَة فالصيب
بمعنى المطر فوق الرعد والبرق فما ذكره عَلَى إطلاقه ليس بتمام قوله (ملتبسين به) إشَارَة
إلى علاقة الْمَجَاز في الظرفية كما أوضحناه سابقًا وهذا لا يقتضي كونهما في أعلاه.
قوله: (وإن أريد به السحاب فظلماته) ولو كان مرجوحًا لكن يكون الْمُرَاد حِينَئِذٍ
بالسماء الفلك لا السحاب (سُحمته) بضم السين سواده (وتطبيقه) يكون بعضه مع بعض
(مع ظلمة الليل) والتَّعْبير بمع هنا قد مَرَّ وجهه ولو أُريد بها ظلمة شديدة كأنها ظلمات
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: مع ظلمة الليل أخذ ظلمة الليل في كل واحد من الوَجْهَيْن وليس في الآية ما يدل عَلَى
ظلمة الليل. قال صاحب التوضيح: هي مُسْتَفَادة من التنكير في ظلمات لدلالته عَلَى التكثير كقولهم
إن له لا بلا. أقول: يمكن أن يؤخذ ظلمة الليل من سياق الآية. حيث قال تَعَالَى بعد هذه الآية(يكاد
البرق يخطف أبصارهم)وبعده (وإذا أظلم عليهم قاموا) فإن خطف البرق البصر إنما
يكون غالبًا في ظلمة الليالي وكذا وقوف الماشي عن المشي إنما يكون إذا اشتد ظلمة الليل بحيث
تحجب الأبصار عن إبصار ما هُوَ أمام الماشي من الطريق وغيره وظلمة سحمة السحاب وتكاثفه
في النهار لا يوجب وقوف الماشي عن المشي وقد بقي هَاهُنَا شيء وهو أنه إن كانت ظلمة الليل
ظلمة ثالثة منضمة إلَى ظلمتي سحمة السحاب وتكاثفه يلزم أن يكون ظلمة الليل والسحاب والأمر
على العكس عَلَى ما قَالَ الرازي والثالثة ظلمة الليل وهي ليست في السحاب بل السحاب في ظلمة
الليل إلا أنها كانت في ظلمتي سحمته وتطبيقه وهما في السحاب فكأنهما في السحاب. قال الفاضل
أكمل الدين وهو ليس بصحيح لأن ظلمة الليل لم تكن في ظلمتي سحمته وتطبيقه بل بالعكس
أقول حاصل ما ذكره أن الوجه أن يكون الكثير ظرفًا للقليل والقوي للضعيف دون العكس فإنه يقال