فلمَّا تقربوا إلى الله بإعزاز من أعزه الله أعزهم الله بالإيمان تقرباً إليهم ذراعاً، فكذلك أعزهم موسى بالتقديم في الإلقاء وقال: {بَلْ أَلْقُواْ} [طه: 66] وتقرب به إلى الله {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: 66] أي: ما كان لها تسعى على الحقيقة بل بالتخيل، وكانت تسعى عصى موصى بالحقيقة كقوله تعالى: {فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} [طه: 20] .
وبقوله: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى} [طه: 67] يشير إلى أن خوف البشرية مركوز في جبلة الإنسان ولو كان نبياً إلى أن ينزع الله الخوف منه انتزاعاً ربانياً بقول صمداني كما قال تعالى: {قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى} [طه: 68] أي: أعلى درجة من أن تخاف من المخلوقات دون الخالق، وفيه معنى آخر: أن خوف موسى عليه السلام ما كان من المكونات، بل كان من المكون إذ رأى عصاه ثعباناً تلقف سحر السحرة قد علم أنها صارت مظهر صفة قهاريته فخاف من الحق تعالى وقهره، لا من العصا وثعبانها، فلهذا قال تعالى: {لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى} [طه: 68] أي: لأنك أعلى درجة عندنا منها؛ لأنها عصاك مصنوعة لنفسك وأنت رسولي وكليمي {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} [طه: 41] وإن كانت في مظهر صفة قهري فأنت مظهر صفات لطفي وقهري كلها.