اختصاص مدّعي النبوة بنوع من العلم أو العمل، على وجه خارق للعادة، ولا شك أن العلم أصل العمل وأعلى منه قدرا، وأبقى أثرا، والقرآن محقق لذلك.
ونبههم أيضا على وجه أبين من وجوه إعجاز القرآن: وهو الإخبار عن الأمم السابقة، فقال:
أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى من التوراة والإنجيل وسائر الكتب السماوية، فإن اشتماله على خلاصة ما فيها من العقائد والأحكام الكلية، مع أن الآتي بها أمي، لم يرها ولم يتعلم من علمائها، إعجاز بين وفيه إشعار بأنه كما يدل على نبوته، برهان لما تقدمه من الكتب، من حيث إنه معجز، وهي ليست كذلك، بل هي مفتقرة إلى ما يشهد بصحتها.
فقوله: بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى أي بيان ما اشتملت عليه، وأخبار الأمم الماضية التي أهلكت بتكذيب الرسل، في القرآن.
مِنْ قَبْلِهِ قبل محمد الرسول. لَقالُوا يوم القيامة. هلا. آياتِكَ المرسل بها. مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ نهان في الدنيا بالقتل والسبي. أو في القيامة. وَنَخْزى نفتضح بدخول النار جهنم يوم القيامة.
قُلْ: كُلٌّ قل لهم: كل واحد منا ومنكم. مُتَرَبِّصٌ منتظر ما يؤول إليه الأمر.
فَسَتَعْلَمُونَ في القيامة. الصِّراطِ السَّوِيِّ الطريق المستقيم. وَمَنِ اهْتَدى من الضلالة، أنحن أم أنتم؟
المناسبة:
بعد أن أمر الله تعالى رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم بالصبر على ما يقوله المشركون، وأمره بأن يعدل إلى التسبيح والتحميد، وأتبع ذلك بنهيه عن مدّ عينيه إلى ما متع به القوم، ذكر هنا بعض أقاويلهم الباطلة، ومنها ادعاؤهم أن القرآن ليس بحجة ولا معجزة تدل على نبوة محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، ثم أوضح لهم أنهم يوم القيامة سيعترفون بأنه آية بيّنة، وأنه لو أهلكناهم لطلبوا إرسال، ثم هددهم وأوعدهم بما سيؤول إليه الأمر في المستقبل، ويتميز المحق من المبطل.
التفسير والبيان:
كان المشركون يكثرون من اقتراح الآيات على النبي للتعجيز والعناد والمضايقة بسبب عدم إيمانهم، وعدم الاكتفاء بالمعجزات التي يرونها، فقال تعالى واصفا تعنتهم: