والجواب عن ذلك ، والله أعلم: أن قوله في الآية الأولى: (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ) كلام لم يتقدمه ما يكون هذا معطوفاً عليه ، وإنما هو كلام مستأنف مبتدأ ، ألا ترى ما تقدم قبله من قوله تعالى إخباراً عمن أعرض عما جاءت به الرسل فقال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي) - أي بإعراضه عن إتباع الرسل - (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) (طه: 124) إلى قوله: (وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى) (طه: 127) ، هذا إخبار عن جزاء من أعرض ولم يؤمن ، ثم ورد ما بعد مستأنفاً وارداً مورد ما يرد من الكلام التفاتاً ، وهذا مراد أبي محمد بن عطية ، ثم ابتدأ توبيخهم وتذكيرهم فقال تعالى: (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ) ، والضمير المجرور لكفار قريش ومن كان معهم ، أي أفلم يتبين لهم ، والفاعل ما يفهم من جملة الكلام وسياقه ، أي أفلم يهد لهم هذا المشاهد لهم الواضح من تقلبهم في بلاء عاد وثمود يمشون في مساكنهم ويعاينون آثار هلاكهم ، وكم مفعولة بأهلكنا. واستمر الكلام مع المذكورين إلى آخر السورة ، وإذا كان قوله: (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ) مبتدأ مستأنفاً فالموضع للفاء ، وهذا كقوله في سورة الرعد: (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا) (الرعد: 31) ، وقوله في سورة القتال: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد: 24) ، وما أتى مثل هذا مما الوجه فيه الاستئناف ، ولم يقصد عطفه
على ما قلبه ، وإنما ارتباطه بما تقدمه من جهة المعنى ، ولا مدخل فيه للعطف مع أن الالتحام حاصل من وجه كما بينا.