والرضا: أنْ تصلَ فيما تحب إلى ما تؤمِّل ، والإنسان لا يرضى إلا إذا بلغ ما يريد ، وحقّق ما يرجو ، كما تقول لصاحبك: أأنت سعيد الآن؟ يقول: يعني: يقصد أنه لم يصل بعد إلى حَدِّ الرضا ، فإنْ تحقَّق له ما يريد يقول لك: سعيد والحمد لله .
فإنْ أحسنتَ إليه إحساناً يفوق ما يتوقعه منك يأخذك بالأحضان ويقول: ربنا يُديم عمرك ، جزاك الله خيراً .
إذن: رضا الإنسان له مراحل ؛ لذلك فالحق سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي كما روى النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله يتجلى على خَلْقه في الجنة: يا عبادي هل رضيتم؟ فيقولون: وكيف لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحداً من العالمين ، قال: أعطيكم أفضل من ذلك ، قالوا: يا رب ، وهل يوجد أفضل من ذلك؟ قال: نعم ، أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخط بعده عليكم أبداً".
وهكذا يكون الرضى في أعلى مستوياته . الغاية من التسبيح إذن الذي كلّفك ربك به أنْ ترضى أنت ، وأن يعودَ عليك بالنفع ، وإلا فالحق سبحانه مُسبَّح قبل أن يخلق ، أنت مُسبّح قبل أن يخلق الكون كله ، ولا يزيد تسبيح في ملكه تعالى شيئاً . ويتم لك هذا الرضا حين تُرضِي الله فيرضيك .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا}
بعد أن قال الحق سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فاصبر على مَا يَقُولُونَ} [طه: 130] حذره أن ينظر إلى هؤلاء الجبابرة والمعاندين على أنهم في نعمة تمتد عينه إليها . ومعنى مَدِّ العين ألاَّ تقتصر على مجرد النظر على قَدَر طاقتها ، إنما يُوجهها باستزادة ويوسعها لترى أكثر مما ينبغي ، ومَدُّ العين يأتي دائماً بعد شغل النفس بالنعمة وتطلّعها إليها ، فكأن الله يقول: لا تشغل نفسك بما هم فيه من نعيم ؛ لأنه زهرة الدنيا التي سرعان ما تفنى .