أما قولهم"مجنون"فالمجنون لا يدري ما يفعل ، ولا يعقل تصرفاته ولا يسأل عنها ، ولا نستطيع أنْ نتهمه بشيء فنقول عنه مثلاً ؛ كذاب أو قبيح ؛ لأن آلة الاختيار عنده مُعطّلة ، وليس لديه انسجام في التصرفات ، فيمكن أن يضحك في وجهك ، ثم يضربك في نفس الوقت ، يمكن أن يعطيك شيئاً ثم يتفل في وجهك .
والمجنون ليس له خُلق ، والحق سبحانه يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم: {ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 14] .
والخُلق هو المَلَكة المستقرة للخير ، فكيف يكون محمد مجنوناً ، وهو على خلق عظيم؟ ثم هل جرَّبْتُم عليه شيئاً مما يفعله المجانين .
أما قولهم: إن رسول الله افترى هذا القرآن ، كيف وأنتم لم تسمعوا منه قبل البعثة شِعْراً أو خطباً ولم يسبق أن قال شيئاً مثل هذا؟ كيف يفتري مثل هذا الأسلوب المعجز ، وليس عنده صنعة الكلام؟ وإن كان محمد قد افترى القرآن فلماذا لا تفترون أنتم مثله وتعارضونه؟
{قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ} [يونس: 38] .
وهكذا تقوم من نفس أقوالهم الأدلة على كذبهم وادعائهم على رسول الله .
ثم يقول تعالى {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [طه: 130] .
والتسبيح هو التنزيه لله تعالى ، وهو صفة لله قبل أنْ يخلق مَنْ يُسبِّحه ويُنزِّهه ؛ لذلك يقول تعالى في استهلال سورة الإسراء: {سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ} [الإسراء: 1] ؛ لأن العملية مخالفة لمنطق القوانين ، فقال: نزّه فعل الله عن أفعالك .
إذن: فسبحان معناها أن التنزيه ثابت لله ، ولو لم يوجد المنزَّه ، فلما خلق الله الكون سَبَّحتْ السماوات والأرض وما فيهن لله .