اعلم أنه قد استقرت حكمته سبحانه أن السعادة والنعيم والراحة لا يوصل إليها إلا على جسر المشقة والتعب ولا يدخل إليها إلا من باب المكاره والصبر وتحمل المشاق، ولذلك حف الجنة بالمكاره والنار بالشهوات، ولذلك أخرج صفيه آدم من الجنة وقد خلقها له، واقتضت حكمته أن لا يدخلها دخول استقرار إلا بعد التعب والنصب، فما أخرجه منها إلا ليدخله إليها أتم دخول.
فلله كم بين الدخول الأول والدخول الثاني من التفاوت، وكم بين دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في جوار المطعم بن عدي ودخوله إليها يوم الفتح.
وكم بين راحة المؤمنين ولذتهم في الجنة بعد مقاساة ما قبلها وبين لذتهم لو خلقوا فيها.
وكم بين فرحة من عافاه بعد ابتلائه، وأغناه بعد فقره، وهداه بعد ضلاله، وجمع قلبه بعد شتاته، وفرحة من لم يذق تلك المرارات، وقد سبقت الحكمة الإلهية أن المكاره أسباب اللذات والخيرات كما قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} .
وربما كان مكروه النفوس إلى ... محبوبها سببا ما مثله سبب
(فصل: في ذكر احتجاج آدم وموسى - عليهما السلام -)
في ذلك حكم النبي صلى الله عليه وسلم لآدم صلوات الله وسلامه عليهم.
عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة فقال له آدم أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة فقال النبي صلى الله عليه وسلم فحج آدم موسى فحج آدم موسى فحج آدم موسى"
وفي رواية"كتب لك التوراة بيده"
وفي لفظ آخر:"تحاج آدم وموسى فحج آدم موسى فقال له موسى أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة فقال آدم أنت موسى الذي أعطاه الله علم كل شيء واصطفاه على الناس برسالته قال نعم قال أفتلومني على أمر قدر على قبل أن أخلق".