{فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشيطان} قد تقدّم تفسيره في الأعراف في قوله: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان} [الأعراف: 20] أي أنهى إليه وسوسته ، وجملة {قَالَ يَاءادَمُ} إلى آخره إما بدل من وسوس أو مستأنفة بتقدير سؤال ، كأنه قيل: فماذا قال له في وسوسته؟ و {شَجَرَةِ الخلد} هي الشجرة التي من أكل منها لم يمت أصلاً {وَمُلْكٍ لاَّ يبلى} أي لا يزول ولا ينقضي {فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سوآتهما} قد تقدّم تفسير هذا وما بعده في الأعراف.
قال الفراء: ومعنى طفقا في العربية: أقبلا ، وقيل: جعلا يلصقان عليهما من ورق التين {وعصى ءادَمُ رَبَّهُ فغوى} أي عصاه بالأكل من الشجرة فغوى فضلّ عن الصواب أو عن مطلوبه ، وهو الخلود بأكل تلك الشجرة.
وقيل: فسد عليه عيشه بنزوله إلى الدنيا.
وقيل: جهل موضع رشده.
وقيل: بشم من كثرة الأكل.
قال ابن قتيبة: أكل آدم من الشجرة التي نهي عنها باستزلال إبليس وخدائعه إياه ، والقسم له بالله إنه له لمن الناصحين حتى دلاه بغرور ، ولم يكن ذنبه عن اعتقاد متقدّم ونية صحيحة ، فنحن نقول: عصى آدم ربه فغوى.
انتهى.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: لا يجوز لأحد أن يخبر اليوم بذلك عن آدم.
قلت: لا مانع من هذا بعد أن أخبرنا الله في كتابه بأنه عصاه ، وكما يقال: حسنات الأبرار سيئات المقربين ، ومما قلته في هذا المعنى:
عصى أبو العالم وهو الذي... من طينة صوّره الله
وأسجد الأملاك من أجله... وصير الجنة مأواه
أغواه إبليس فمن ذا أنا المس... كين إن إبليس أغواه
{ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ} أي: اصطفاه وقرّبه.
قال ابن فورك: كانت المعصية من آدم قبل النبوّة بدليل ما في هذه الآية ، فإنه ذكر الاجتباء والهداية بعد ذكر المعصية ، وإذا كانت المعصية قبل النبوّة فجائز عليهم الذنوب وجهاً واحداً {فَتَابَ عَلَيْهِ وهدى} أي تاب عليه من معصيته ، وهداه إلى الثبات على التوبة.