ثم شرع سبحانه في كيفية ظهور نسيانه وفقدان عزمه ، والعامل في إذ مقدّر ، أي: واذكر {إِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لآدَمَ} وتعليق الذكر بالوقت مع أن المقصود ذكر ما فيه من الحوادث للمبالغة ؛ لأنه إذا وقع الأمر بذكر الوقت كان ذكر ما فيه من الحوادث لازماً بطريق الأولى وقد تقدم تفسير هذه القصة في البقرة مستوفى ، ومعنى {فتشقى} : فتتعب في تحصيل ما لا بدّ منه في المعاش كالحرث والزرع ، ولم يقل:"فتشقيا"؛ لأن الكلام من أوّل القصة مع آدم وحده.
ثم علل ما يوجبه ذلك النهي بما فيه الراحة الكاملة عن التعب والاهتمام ، فقال: {إِنَّ لَكَ أَن لا تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى} أي في الجنة.
والمعنى: إن لك فيها تمتعاً بأنواع المعايش وتنعماً بأصناف النعم من المآكل الشهية والملابس البهية ، فإنه لما نفى عنه الجوع والعري أفاد ثبوت الشبع والاكتساء له ، وهكذا قوله: {وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَلاَ تضحى} فإن نفي الظمأ يستلزم حصول الريّ ووجود المسكن الذي يدفع عنه مشقة الضحو ، يقال: ضحي الرجل يضحى ضحواً: إذا برز للشمس فأصابه حرّها ، فذكر سبحانه ها هنا أنه قد كفاه الاشتغال بأمر المعاش وتعب الكدّ في تحصيله ، ولا ريب أن أصول المتاعب في الدنيا هي تحصيل الشبع والريّ والكسوة والكنّ ، وما عدا هذه ففضلات يمكن البقاء بدونها ، وهو إعلام من الله سبحانه لآدم أنه إن أطاعه فله في الجنة هذا كله ، وإن ضيع وصيته ولم يحفظ عهده أخرجه من الجنة إلى الدنيا فيحلّ به التعب والنصب بما يدفع الجوع والعري والظمأ والضحو.
فالمراد بالشقاء شقاء الدنيا ، كما قاله كثير من المفسرين ، لا شقاء الأخرى.
قال الفراء: هو أن يأكل من كدّ يديه ، وقرأ أبو عمرو والكوفيون إلا عاصماً:"وأنك لتظمأ"بفتح أن ، وقرأ الباقون بكسرها على العطف على إن لك.