والوجه الثاني هو أن المراد بالنسيان في الآية: النسيان الذي هو ضد الذكر ، لأن إبليس لما أقسم له بالله أنه له ناصح فيما دعاه إليه من الأكل من الشجرة التي نهاه ربه عنها - غره وخدعه بذلك ، حتى أنساه العهد المذكور. كما يشير إليه قوله تعالى: {وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ} [الأعراف: 21 - 22] . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنما سمي الإنسان لأنه عهد إليه فنسي رواه عنه ابن أبي حاتم ا ه.
ولقد قال بعض الشعراء:
وما سمي الإنسان إلا لنسيه... ولا القلب إلا أنه يتقلب
أما على القول الأول فلا إشكال في قوله: {وعصى ءَادَمُ رَبَّهُ فغوى} [طه: 121] وأما على الثاني ففيه إشكال معروف. لأن الناسي معذور فكيف يقال فيه {وعصى ءَادَمُ رَبَّهُ فغوى} . وأظهر أوجه الجواب عندي عن ذلك: أن آدم لم يكن معذوراً بالنسيان. وقد بينت في كتابي (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) الأدلة الدالة على أن العذر بالنسيان والخطأ والإكراه من خصائص هذه الأمة. كقوله هنا {فَنَسِيَ} مع قوله {وعصى} فأسند إليه النسيان والعصيان ، فدل على أنه غير معذور بالنسيان. ومما يدل على هذا ما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس وأبي هريرة: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ