ومعنى {وما أكْرَهْتَنَا عليْهِ مِنَ السِّحْرِ} أنه أكرههم على تحدّيهم موسى بسحرهم فعلموا أن فعلهم باطل وخطيئة لأنّه استعمل لإبطال إلهيّة الله ، فبذلك كان مستوجباً طلب المغفرة.
وجملة {والله خَيْرٌ وأبقى} في موضع الحال ، أو معترضة في آخر الكلام للتذييل.
والمعنى: أنّ الله خير لنا بأن نؤثره منك ، والمراد: رضى الله ، وهو أبقى منك ، أي جزاؤه في الخير والشرّ أبقى من جزائك فلا يهولنا قولك {ولتعلمن أينا أشد عذاباً وأبقى} [طه: 71] ، فذلك مقابلة لوعيده مقابلة تامة.
{إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (74) }
هذه الجمل معترضة بين حكاية قصة السحرة وبين ذكر قصّة خروج بني إسرائيل ، ساقها الله موعظة وتأييداً لمقالة المؤمنين من قوم فرعون.
وقيل: هي من كلام أولئك المؤمنين.
ويبعده أنه لم يحك نظيره عنهم في نظائر هذه القصّة.
والمجرم: فاعل الجريمة ، وهي المعصية والفعل الخبيث.
والمجرم في اصطلاح القرآن هو الكافر ، كقوله تعالى: {إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون} [المطففين: 29] .
واللام في {لَهُ جَهَنَّمَ} لامُ الاستحقاق ، أي هو صائر إليها لا محالة ، ويكون عذابه متجدّداً فيها ؛ فلا هو ميت لأنّه يُحِس بالعذاب ولا هو حيّ لأنه في حَالةٍ الموتُ أهون منها ، فالحياة المنفية حياة خاصة وهي الحياة الخالصة من العذاب والآلام.
وبذلك لم يتناقض نفيها مع نفي الموت ، وهو كقول عبّاس بن مرداس:
وقد كنتُ في الحرب ذَا تُدْرَإٍ...
فلم أُعْطَ شيئاً ولم أُمنع
وليس هذا من قبيل قوله {إنها بقرة لا فارض ولا بكر} [البقرة: 68] ولا قوله {زيتونة لا شرقية ولا غربية} [النور: 35] .
وأما خلود غير الكافرين في النّار من أهل الكبائر فإن قوله {لا يَمُوتُ فِيهَا ولا يحيى} جعلها غير مشمولة لهذه الآية.