كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلقى من المشركين تعبًا مرهقًا. ويأسف أسفًا شديدًا بسبب إعراضهم عن القرآن الكريم وعدم إيمانهم به، فأَنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية تسلية له .. وتخفيفًا عليه .. والمعنى - ما أَنزلنا عليك القرآن أيها الرسول - ليكون سببًا في شقائك وعنائك، وفرط أسفك على كفر هؤلاء المشركين، كقوله عَز وجل: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} . والشقاءُ شائعٌ في معنى التعب والعناء، ومنه قولهم، سيد القوم أشقاهم وقولهم: أشْقَى منْ رائِضِ مُهْرٍ.
وهذا الوجه في سبب نزول الآية هو المختار، لمناسبته للسياق. وقوله تعالى:
3 - {إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى} .
أَي ما أنزلنا القرآن عليك إِلا تذكيرًا لمن شأْنه أَن يخشى الله ويخافه، لأَن الذين يخشون ربهم هم المنتفعون بالقرآن ومواعظه، وأما غيرهم فكالعدم، ولا ريب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلَّغ وذكَّر وحذَّر وأنذر، فليس مسئولًا بعد ذلك عن كفرهم، فقد قال تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} . وقال عز من قائل: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ َ} .
ولما ذكر الله تعالى أنه أنزل القرآن تذكرةً لمن يخشى .. أَكد ذلك المعنى وقرره بقوله:
4 - {تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى} :
ووجه التوكيد أنه سبحانه نسب التنزيل إِلى ذاته المقدسة مرتين، مرة بضمير المتكلم في قوله: {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} ومرة بضمير الغيبة في قوله:
{تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ ... } وإنما نسب التنزيل إلى ذاته المقدسة مرتين، تعظيمًا لشأن المنزل - جل جلاله - وتفخيمًا لشأن القرآن الذي أنزله، وقطعًا لريبة المرتابين في كونه منزلًا من عند الله.