وقال الزجاج: من قرأ {يساقط} . فالمعنى: يتساقط فادغمت التاء في السين، ومن قرأ {تساقط} .. فكذلك أيضًا، وأنَّث لأن لفظ النخلة يؤنث، ومن قرأ {تساقط} بالتاء والتخفيف .. فإنه حذف من تتساقط اجتماع التاءَين، ومن قرأ {يساقط} .. ذهب إلى معنى تساقط الجذع عليك، ومن قرأ {نساقط} بالنون .. فالمعنى: نحن نساقط عليك فنجعله لك آيةً، وقرأ طلحة بن سليمان {جَنِيًّا} بكسر الجيم اتباعًا لحركة النون
26 - {فَكُلِي} يا مريم من ذلك الرطب {وَاشْرَبِي} من ماء النهر، أو فكلي من ذلك الرطب، واشربي من عصيره، وكان ذلك إرهاصًا لعيسى، أو كرامةً لأمه، وليس معجزة لفقد شرطها وهو: التحدي كما في"بحر العلوم".
قال الإِمام: وقدم الأكل على الشرب لأن حاجتها إليه أشد من حاجتها إلى الماء، لكثرة ما سأل منها من الدماء {وَقَرِّي عَيْنًا} أي وطيبي نفسًا، وبردي قلبك، وارفضي عنه ما أحزنك، وأهمك، فإن الله تعالى قد نزه ساحتك بالخوارق، من جرى النهر المنقطع، واخضرار النخلة اليابسة، وإثمارها قبل وقتها, لأنهم إذا رأوا ذلك، لم يستبعدوا ولادة ولد بلا فحل، واشتقاقه من القرار، فإن العين إذا رأت ما يسر النفس .. سكنت إليه من النظر إلى غيره، يقال: أقر الله عينيك؛ أي: صادف فؤادك ما يرضيك، فيقر عينك من النظر إلى غيره.
والمعنى: أي طيبي نفسًا بولدك عيسى، فالعين إذا رأت ما يسر النفس .. يسكنت إليه من النظر إلى غيره، وإنّ دمعة السرور باردة، ودمعة الحزن حارة، ولذلك يقال للمحبوب: قرة العين وللمكروه سخنة العين، فإن الله قدير أن ينزه ساحتك، ويبعد عنك تخرصات المبطلين، الذين يتقيدون بالسنن التي جعلها الله تعالى الطريق للولادة في البشر، ويرشدهم إلى الوقوف على سريرة أمرك حتى يثبتوا لك القداسة والطهر، وقرأ الجمهور: {قَرِّي} بفتح القاف، وحكى ابن جرير: أنه قرئ بكسرها، قال وهي لغة نجدٍ.