{فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا} ؛ أي: فإن تري أحدًا من البشر كائنًا من كان، فيسألك عن شأنك وشأن ولدك، و (ما) مزيدة لتأكيد معنى الشرط، وهي بمنزلة لام القسم في أنها إذا دخلت على الفعل .. دخلت معها النون المؤكدة {فَقُولِي} له باللسان أو فأشيري له بالأركان: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} وأوجبت على نفسي {لِلرَّحْمَنِ} سبحانه {صَوْمًا} ؛ أي: صمتًا عن الكلام، أو صيامًا، وكان صيام المجتهدين في بني إسرائيل بالإمساك عن الطعام والكلام حتى يمسي، وقد نسخ في هذه الأمة؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن صوم الصمت.
أي: قولي إن طلب منك الكلام أحد من الناس {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} وصمتًا {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} ؛ أي: آدميًا بعد أن أخبرتك بنذري، وإنما أكلم الملائكة وأناجي ربي، وإنما منعت مريم من الكلام ليكون عيسى المتكلم عنها، فيكون أقوى لحجتها في إزالة التّهمَة عنها, ولكراهة مجادلة السفهاء.
والمعنى: أي فإن رأيت أحدًا من بني آدم يسألك عن أمرك وأمر ولدك وكيف ولدته .. فأشيري إليهم: أني أوجبت على نفسي لله صمتًا ألا أكلم اليوم أحدًا فإن كلامي يقبل الرد والجدل، ولكن يتكلم عني هذا المولود، الذي لا يقبل كلامه الدفع والرد، وإني أنزه نفسي مجادلة السفهاء، ولا أكلم إلا الملائكة أو أناجي الخالق، وفيه أن السكوت عن السفيه واجب، ومن أذل الناس: سفيه لم يجد مسافهًا، وفي الآية إشارة إلى الصوم عن الالتفات لغير الله تعالى، كما قال بعض السلف الدنيا يوم ولنا فيه صوم، ولا يكون إفطار إلا على مشاهدة الهلال.
والظاهر: أن الآمر لها بالأكل والشرب وذلك القول هو ولدها، وقيل: جبريل - عليه السلام - على الخلاف المار، وليس الصمت عن الكلام من شريعة الإِسلام، فقد روي أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - دخل على امرأة قد نذرت أن لا تتكلم، فقال: إن الإِسلام قد هدّم هذا فتكلمي.