وقرأ أبو حيوة وسهل: {روحنا} بفتح الراء؛ لأنه سبب لما فيه روح العباد، وإصابة الروح عند الله الذي هو عدة المقربين في قوله: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89) } ؛ أي: مقربنا وذا روحنا، وذكر النقاش: أنه قرئ: {روحنا} بتشديد النون: اسم ملك من الملائكة،
18 -فلما رأته في صورة إنسان حسن كامل الخلق، قد خرق عليها الحجاب .. ظنت أنه يريدها بسوءٍ فاستعاذت بالله منه و {قَالَتْ} ؛ أي: مريم {إِنِّي أَعُوذُ} وأتحصن وامتنع {بـ} عصمة {بِالرَّحْمَنِ مِنْ} شر {ك} يا شاب، ذكره تعالى بعنوان الرحمانية للمبالغة في العياذ به تعالى، واستجلاب آثار الرحمة الخاصة التي هي العصمة مما دهمها، قال في"الكشاف": دل على عفافها وورعها، أنها تعوذت الله من تلك الصورة الجميلة {إِنْ كُنْتَ} أيها الشاب {تَقِيًّا} تتقي الله وتبالي الاستعاذة به، وقيل: إن {تَقِيًّا} : اسم رجل صالح، فتعوذت منه تعجبًا، وقيل: إنه اسم رجل فاجر معروف في ذلك الوقت، يتبع النساء، فظنت مريم أنَّ ذلك المشاهد هو ذلك المتقي، فمن ذلك تعوذت منه، وخصت الرحمن بالذكر ليرحم ضعفها وعجزها عن دفعه، والأول أولى، وجواب الشرط: محذوف ثقةً بدلالة السياق عليه؛ أي: فإني عائذة به أو فلا تتعرض.
والمعنى: أي فلما رأته فزعت منه وقالت: إني أستجير بالرحمن منك أن تنال مني ما حرم الله عليك، إن كنت ذا تقوى له، تتقي محارمه، وتجتنب معاصيه، فمن يتق الله .. يجتنب ذلك.
وإجمال المعنى؛ أنه لما تبدى لها في صورة البشر، وهي في مكان منفرد، وبينها وبين قومها حجاب .. خافته وظنت أنه يريدها على نفسها، فقالت: إني أعوذ بالله منك، إن كنت تخافه، وقد فعلت المشروع في الدفع، وهو أن يكون بالهوينى، والأسهل فالأسهل.
وخلاصة ذلك: أن الاستعاذة لا تؤثر إلا في المتقي؛ لأن الله تعالى يخشى في حال دون حال، فهو كقوله تعالى {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ؛ أي: إن الإيمان يوجب ذلك،