ومن ثمة اتخذ النصارى المشرق قبلةً، كما اتخذ اليهود المغرب قبلةً؛ لأن الميقات وإيتاء التوراة واقعان في جانب الجبل الغربي، كما قال تعالى: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ} .
والمعنى: أي واذكر يا محمد لقومك قصة مريم بنت عمران، حين اعتزلت وانفردت وتباعدت من قومها، فأتت مكانًا شرقيًا من دار خالتها إيشاع، زوجة زكريا فإن موضعها كان المسجد فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها، وإذا طهرت عادت إلى المسجد، فاحتاجت يومًا إلى الاغتسال، وكان الوقت وقتا الشتاء، فجاءت إلى ناحيةٍ شرقيةٍ من الدار، وموضع مقابل للشمس؛ لأن ذلك اليوم كان شاتيًا، شديدَ البرد.
17 - {فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ} ؛ أي: فأرخت من أدنى مكان أهلها {حِجَابًا} ؛ أي: سترًا تتستّر به حال التطهر من الحيض؛ أي: أرخت بينها وبين أهلها حجاباً يسترها عنهم، لئلا يروها حال التطهر من الحيض، فبينما هي في مغتسلها وقد تطهرت ولبست ثوبها .. أتاها الملك في صورة آدميٍّ شابٍّ أمرد، وضيئ الوجه، جعد الشعر، وذلك قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا} ؛ أي: إلى مريم في مغتسلها ذلك {رُوحَنَا} ؛ أي: رسولنا جبريل - عليه السلام - فإنه كان روحانيًا، فأطلق عليه الروح للطافته مثله، ولأن الدين يحيى به {فَتَمَثَّلَ لَهَا} ؛ أي: فتصور وتشبه لأجلها وانتصاب قوله: {بَشَرًا} على أنه مفعول به؛ أي: تشبه لأجلها آدميًا {سَوِيًّا} ؛ أي: تام الخلق، كامل البنية، لم يفقد من حسان نعوت الآدمية شيئًا،
وقيل: تمثل لها في صورة تِرْبٍ لها اسمه يوسف، من خدم بيت المقدس، وتتلقى منه ما يلقى إليها من كلماته تعالى، إذ لو بدا لها على الصورة الملكية لنفرت منه، ولم تستطع استماع كلامه، ولأنه جاء للنفخ المنتج للبشر فتمثل بشرًا، ولو جاء على صورة الملك لجاء عيسى على صورة الروحانيين كما لا يخفى، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ القربان بعد الطهر التام أطهر والولد إِذن أنجب، فافهم.