يجوز أنها قالت هذه العبارة أولاً لأول بشر رأته ليتم بذلك إعلان صومها ، ثم انقطعت عن الكلام ، ويجوز أن يكون المراد بالكلام هنا الإشارة ، والدلالة بالإشارات أقوى الدلالات وأعمّها ، فإن اختلفت اللغات بين البشر لأن كل جماعة تواضعوا على لغة خاصة بهم ، فإن لغة الإشارة تظل لغة عامة يتفق عليها الجميع ، فمثلاً حين تُومئ برأسك هكذا تعني نعم في كل اللغات ، وحين تُشير بأصبعك هكذا تعني لا ، إذن: فالدلالة لغة عالمية وعامّة .
وقد تعرَّضَ القرآن الكريم في موضع آخر لهذه المسألة في قوله تعالى: {حتى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً} [الكهف: 93] .
أي: لا يقربون من الفهم ، فَهُمْ يفهمون من باب أَوْلى ، ومع ذلك كان بينهم كلام وإشارة ولغة ، وفَهِم كل منهم عن الآخر: {قَالُواْ ياذا القرنين إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ} [الكهف: 94] .
ونلحظ في قولها: {فَلَنْ أُكَلِّمَ اليوم إِنسِيّاً} [مريم: 26] أن النهي عن الكلام مع البشر خاصة فلم تَقُل: لن أتكلم ، وإلاّ فمعها جبريل عليه السلام يُكلّمها وبينهما تفاهم ، لعلَّه يرى لها مَخْرجاً ، وقد كانت مريم واثقة مطمئنة إلى هذا المخرج ، فإذا كان ربها تبارك وتعالى أمرها بالصوم عن الكلام ، فإنه سينطق الوليد ليتكلم هو ويدافع عن أمه أمام اتهامات القوم .