{فَأَجَاءهَا المخاض} أي فألجأها وهو في الأصل منقول من جاء لكنه لم يستعمل في غيره كآتى في أعطي ، وقرئ المِخاض بكسر الميم وكلاهما مصدرُ مخِضَت المرأةُ إذا تحرك الولدُ في بطنها للخروج {إلى جِذْعِ النخلة} لتستتر به وتعتمد عليه عند الوِلادة وهو ما بين العِرْق والغصن ، وكانت نخلةً يابسةً لا رأس لها ولا خُضرة وكان الوقت شتاءً ، والتعريفُ إما للجنس أو للعهد إذ لم يكن ثمةَ غيرُها وكانت كالمتعالم عند الناس ، ولعله تعالى ألهمها ذلك ليُريَها من آياتها ما يسكّن رَوْعتها ويطعمها الرُّطَبَ الذي هو خُرْسةُ النُّفَساءِ الموافقةُ لها {قَالَتْ ياليتنى مّتَّ} بكسر الميم من مات يمات كخِفت ، وقرئ بضمها من مات يموت {قَبْلَ هذا} أي هذا الوقتِ الذي لقِيتُ فيه ما لقِيت ، وإنما قالته مع أنها كانت تعلم ما جرى بينها وبين جبريلَ عليه السلام من الوعد الكريم استحياءً من الناس وخوفاً من لائمتهم ، أو حِذاراً من وقوع الناس في المعصية بما تكلموا فيها ، أو جرياً على سَنن الصالحين عند اشتدادِ الأمر عليهم كما روي عن عمر رضي الله عنه أنه أخذ تِبْنةً من الأرض فقال:"يا ليتنى هذه التبنةُ ولم أكن شيئاً"، وعن بلال أنه قال:"ليت بلالاً لم تلده أمُّه" {وَكُنتُ نَسْياً} أي شيئاً تافهاً شأنُه أن يُنسى ولا يُعتدَّ به أصلاً ، وقرئ بالكسر ، قيل: هما لغتان في ذلك كالوتر ، وقيل: هو بالكسر اسمٌ لما يُنسى كالنِّقْض اسمٌ لما يُنقض وبالفتح مصدرٌ سُمِّي به المفعولُ مبالغةً ، وقرئ بهما مهموزاً من نسأتُ اللبن إذا صببتُ عليه الماء فصار مستهلَكاً فيه ، وقرئ نساً كعصاً {مَّنسِيّاً} لا يخطُر ببال أحد من الناس وهو نعتٌ للمبالغة ، وقرئ بكسر الميم إتباعاً له بالسين.
{فَنَادَاهَا}