إذن: فمريم هي التي أوحَتْ لزكريا بهذا الدعاء ، واستجاب الله لزكريا ورزقه يحيى ؛ ليكون ذلك مقدمة وتمهيداً لمريم ، فلا تنزعج من حَمْلها ، وتردّ هذه المسألة إلىأن الله يرزق مَنْ يشاء بغير حساب ، وليكون ذلك إيناساً لنفسها واطمئناناً ، وإلاَّ فمن الممكن أن تلعبَ بها الظنون وتنتابها الشكوك ، وتتصور أن هذا الحمْل نتيجة شيء حدث لم تشعر به ، أو كانت نائمة مثلاً .
لكن الحق تبارك وتعالى يقطع عنها كل هذه الشكوك ، ويعطيها مقدمة تراها وتعايشها بنفسها في طعام لم يَأْتِ به أحد إليها ، وفي حَمْل زوجة زكريا وهي عاقر لا تلِد .
قوله تعالى: {واذكر فِي الكتاب مَرْيَمَ} [مريم: 16] الكتاب هو القرآن الكريم ، أي: اذكُر يا محمد في كتاب الله الذي أوحاه إليك مما تذكر قصة مريم ، وقد سبق الحديث عن هذه القصة في سورة (آل عمران) لما تكلم الحق سبحانه وتعالى عن نَذْر أمها لما في بطنها لخدمة بيت المقدس ، ولم يكن يصلح لخدمة بيت المقدس إلا الذكْران الذين يتحمَّلون مشقة هذا العمل ، فلما وضعْتها أنثى لم يوافق ظنّها إرادة الله ، ولم تستطع مريم خدمة البيت مكاناً أفرغتْ نفسها لخدمته قِيماً ، وديناً حملتْ نفسها عليه حَمْلاً ، حتى إنها هجرتْ أهلها وذهبت إلى هذا المكان الذي اتخذته خُلْوة لها لعبادة الله بعيداً عن أعيُنِ الناس .
ومريم هي ابنة عمران ، وقد قال القرآن في خطابها: {ياأخت هَارُونَ} [مريم: 28] ولذلك حدث لَبْسٌ عند كثير من الناس ، فظنوها أخت نبي الله موسى بن عمران وأخت هارون أخي موسى عليهما السلام .
والحقيقة أن هذه المسألة جاءتْ مصادفة اتفقتْ فيها الأسماء ؛ لذلك لما ذهب بعض الصحابة إلى اليمن قال لهم أهلها: إنكم تقولون: إن مريم هي أخت موسى وهارون ، مع أن بين مريم وعمران أبي موسى أحد عشر جيلاً!!