والرفع في"هدى"حينئذ يجوز من ثلاثة أوجه: أحدُها ما ذكرنا من أنه مَدْحٌ مستأنفٌ. والآخر: على أن يُجعل مُرافعَ"ذلك"، و"الكتاب"نعتٌ"لذلك". والثالث: أن يُجعل تابعًا لموضع"لا ريب فيه"، ويكون"ذلك الكتاب"مرفوعًا بالعائد في"فيه". فيكون كما قال تعالى ذكره: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ) [الأنعام: 92] .
وقد زعم بعض المتقدمِّين في العلم بالعربية من الكوفيين، أنّ"الم"مرافعُ"ذلك الكتاب"بمعنى: هذه الحروف من حروف المعجم، ذلك الكتابُ الذي وعدتُك أن أوحَيه إليك. ثم نقض ذلك من قوله فأسرع نَقْضَه، وهَدمَ ما بنى فأسرع هَدْمَه، فزعم أن الرفع في"هُدًى"من وجهين، والنصبَ من وجهين. وأنّ أحد وَجهي الرفع: أن يكون"الكتابُ"نعتًا لِـ"ذلك"و"الهدى"في موضع رفعٍ خبرٌ لِـ"ذلك".
كأنك قلت: ذلك هدًى لا شكّ فيه. قال: وإن جعلتَ"لا ريب فيه"خبرَه، رفعتَ أيضًا"هدى"، بجعله تابعًا لموضع"لا ريب فيه"، كما قال الله جل ثناؤه: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ) ، كأنه قال: وهذا كتابٌ هُدًى من صفته كذا وكذا. قال: وأما أحدُ وجهي النَّصْب فأن تَجعَل الكتاب خبرًا لـ"ذلك"، وتنصبَ"هدى"على القطع، لأن"هدى"نكرة اتصلت بمعرفة، وقد تمّ خبرُها فنصبْتَها لأن النكرة لا تكون دليلا على معرفة. وإن شئت نصبت"هدى"على القطع من الهاء التي في"فيه"كأنك قلت: لا شك فيه هاديًا.
قال أبو جعفر: فترك الأصل الذي أصَّله في"الم"وأنها مرفوعة بـ"ذلك الكتاب"، ونبذه وراء ظهره. واللازم كان له على الأصل الذي أصَّله، أن لا يجيز الرَّفع في"هدى"بحالٍ إلا من وَجْه واحدٍ، وذلك من قِبَلِ الاستئناف، إذ كان مَدْحًا. فأما على وجه الخبر"لذلك"، أو على وجه الإتباع لموضع"لا ريب فيه"، فكان اللازم له على قوله أن يكون خطأ. وذلك أن"الم"إذا رافعت"ذلك الكتاب"، فلا شك أن"هدى"غيرُ جائز حينئذٍ أن يكون خبرًا"لذلك"، بمعنى المرافع له، أو تابعًا لموضع"لا ريب فيه"، لأن موضعه حينئذ نصبٌ، لتمام الخبر قبلَه، وانقطاعه - بمخالفته إيّاه - عنه.