وأعطى الحق سبحانه للجن قوة أكثر مما أعطى للإنس ، وأعطاهم القدرة على النفاذ من السواتر الحديدية والجدران وغيرها ، وهذا أمر منطقي مع أصل تكوين الجن ، فالجن مخلوق من النار ، والإنسان مخلوق من الطين . وهناك اختلاف بين طبيعة كل من النار والطين ، فما يخرج من الطين قارٌّ ، أي: لا يشع ، وما يخرج من النار له إشعاع وحرارة .
بمعنى: أنك لو كنت تجلس في حجرة ، وخلف ظهرك في الحجرة الأخرى نار موقدة ؛ فالساتر أيا كان سوف يحمل لك بعضاً من حرارة النار ، إلا لو كان عازلاً للحرارة .
أما لو كانت هناك تفاحة وهي مخلوقة من الطين موجودة في الحجرة الأخرى ، فلن ينفذ طعمها أو رائحتها إليك .
إذن: فالنار لها قانونها ، والطين له قانونه . وقانون المادة المخلوقة من الطين لا ينتقل إلا إذا نَقلْتَ الجِرْم إلى المكان الذي توجد فيه .
ونلمح هذه المسألة التقنينية في قصة سيدنا سليمان عليه السلام حين علم أن ملكة سبأ تسير في الطريق إليه لتعلن إسلامها ، وأراد سيدنا سليمان عليه السلام أن يأتي لها بعرشها من مكانه قبل أن تصل .
فقال لمن هو في مجلسه: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: 38] ؟
وهذا يدل علىأنه كان في مجلسه أجناس مختلفة ، ولكل جنس منهم قدرات مختلفة عن قدرات الجنس الآخر ، ونقل العرش من اليمن إلى مكان سيدنا سليمان عليه السلام يحتاج إلى زمن وإلى قوة ، فلو أنهم كانوا متساوين في قدرتهم ما قال: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي} [النمل: 38] .
فكان أول من تقدم لتنفيذ ما أراده سليمان عفريت من الجن لا جِنّاً عاديّاً ، فمن الجن من هو خائب قليل الذكاء ، ومنهم من هو ذكي ، فهم وأن كانوا من جنس واحد فهم متفاوتون أيضاً ، وكان عفريت الجن هو أول من تكلم ، وقال: {أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ} [النمل: 39] .