إذن فقوله: {بَرَكَاتٍ مِّنَ السمآء والأرض} أي أن يعطي الحق سبحانه وتعالى القليل الكثير في الرزق الحلال ، ويمحق الكثير الذي جاء من الحرام كالربا ، ولذلك سمى المال الذي نخرجه عن المال الزائد عن الحاجة سماه زكاة مع أن الزكاة في ظاهرها نقص ، فحين تملك مائة جنيه وتخرج منها جنيهين ونصف الجنيه يكون قد نقص مالك في الظاهر . وإن أقرضت أحداً بالربا مائة جنيه فأنت تأخذها منه مائة وعشرة ، لكن الحق سمى النقص في الأولى نماء وزكاة ، وسمى الزيادة في الثانية محقا وسحتاً ، وسبحانه قابض باسط . {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى آمَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السمآء والأرض ولكن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96]
إذن فلو أخذ الإِنسان قانون صيانته من خالقه لاستقامت له كل الأمور ، لكن الإِنسان قد لا يفعل ذلك . ويقول الحق: {ولكن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} .
وهكذا نعلم أن الأخذ ليس عملية جبروت من الخالق ، وإنما هي عدالة منه سبحانه ؛ لأن الحق لو لم يؤاخذ المفسدين ، فماذا يقول غير المفسدين؟ . سيقول الواحد منهم: مادمنا قد استوينا والمفسدين ، وحالة المفسدين تسير على ما يرام ، إذن فلأفسد أنا أيضاً . وذلك يغري غير المفسد بأن يفسد ، ويعطي لنفسه راحتها وشهوتها ، لكن حين يأخذ الله المفسدين بما كانوا يكسبون ، يعلم غير المفسد أن سوء المصير للمفسد واضح ، فيحفظ نفسه من الزلل .