وهذا خطاب عام في موجودات الدنيا والآخرة، وهذه الدنيا لها ظاهر وهي
لآدم - عليه السَّلام - وما تبعه وما خلق له، ولها باطن وهي دنيا الجن وما تبعهم وما خلق لهم
فيها، وهي التي أخرجوا إليها.
وقد قال الله - جلَّ جلالُه -: (اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا) (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) . فإذا لهم دواب وأنعام ومتاع
دنيا خصوا بها دوننا سوى ما أشركوا فيها من بواطن ما هو لا وظواهره.
قال الله - جلَّ جلالُه -:(وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ
وَالْأَوْلَادِ).
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ما من شيء يوضع لابن آدم إلا سبق الشيطان إليه يده،"
فاسم الله يحرمه عليه"."
وقال:"إن الشيطان يأكل من طعام من لا يذكر اسم الله عليه."
وقال لمؤمنيهم وقد سألوا القرار في هذه الدار وما يبلغهم إنى الآخرة،
فقال لهم:"لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه تجدونه أوفر ما كان لحمًا، وكل بَعْرَة علم لدوابكم".
(فصل)
قال الله - عز وجل - (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ)
المعنى إلى آخره.
وضرب الله مثلاً لدنيا الكافر ودنيا المؤمن بالبحار وما يوجد فيها من لحم
طري وحلية، وعبورٍ عليها إلى مقاصد بعيدة وقريبة ومنافع توجد، وضرب مثلاً
لدنيا المؤمن بالأنهار، وهي أقل فائدة وأدنى عائدة سوى الانتفاع بعذوبتها، وذلك
مثل لحلاوة طاعة الله بالتوحيد وعذوبته، ولمرارة الشرك والبعد عن الله، واشتركا
فيما يخرج منها من لحم طري، وذلك في البحر الأجاج أكثر وأعم وأفخم
وأوجد جدًّا، والحلي المستخرج منه هو المعهود أو أكثر.
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر".
وجل الكفر لإبليس - لعنه الله - وهو معدنه ومنه منبعثه، ولأجل ذلك كان
اليسر أكثر عندهم في الأمور، ألا تراهم يجدون العظم أوفر ما كان لحمًا والبعر
علفًا لدوابهم، ودخل مؤمنوهم في ذلك بالتبعية، وحكم الخلقة من التمكن أن