{وأوحينا إلى أم موسى} [القصص: 7] . ثم إنه تعالى مدحها بالاصطفاء ثم بالتطهير ثم بالاصطفاء ولا يجوز أن يكون الاصفطاآن بمعنى واحد للتكرار والصرف ، فحمل المفسرون الاصطفاء الأول على ما اتفق لها من الأمور فِي أول عمرها منها قبول تحريرها مع كونها أنثى ، ومنها قال الحسن: ما غذتها أمها طرفة عين بل ألقتها إلى زكريا وكان رزقها من عند الله ، ومنها تفريغها للعبادة ، ومنها إسماعها كلام الملائكة شفاهاً ولم يتفق ذلك لأنثى غيرها إلى غير ذلك من أنواع اللطف والهداية والعصمة فِي حقها . وأما التطهير فتطهيرها عن الكفر والمعصية كما قال فِي حق أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته {ويطهركم تطهيراً} [الأحزاب: 33] . وعن مسيس الرجال وعن الحيض والنفاس قالوا: كانت لا تحيض وعن الأفعال الذميمة والأقوال القبيحة . وأما الاصطفاء الثاني فهو ما اتفق لها فِي آخر عمرها من ولادة عيسى بغير أب وشهادته ببراءتها عما قذفها اليهود . قيل: المراد اصطفاؤها على نساء عالمي زمانها لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال:"كمل من نساء العالمين أربع: مريم وآسية امرأة فرعون وخديجة وفاطمة"ثم لما بيّن اختصاصها بمزيد المواهب والعطايا أوجب عليها مزيد الطاعة شكراً لتلك النعم . فقوله: {اقنتي} أمر بالعبادة على العموم {واسجدي} أمر بالصلاة تسمية للشيء بمعظم أركانه كما فِي قوله {وأدبار السجود} [ق: 4] وفي الخبر"إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين"ولا ريب أن السجود أشرف الأركان لقوله صلى الله عليه وسلم"أقرب ما يكون العبد من الله تعالى وهو ساجد"ثم قال: {واركعي مع الراكعين} فالأول أمر بالصلاة مطلقاً ، والثاني أمر بالصلاة فِي الجماعة . وإنما عبر عن الصلاة ههنا بالركوع إما لتغيير العبارة وقد يسمى الشيء بأحد أركانه ، وإما تسمية للشيء بمعظم أركانه بناء على ما قيل إن الركوع أفضل من السجود ، لأن الراكع حامل نفسه في