إنه مع التوحيد الواضح الخالص لا مكان لعبودية إلا لله. ولا مكان للاستمداد والتلقي إلا من الله. لا فِي شريعة أو نظام ، ولا فِي أدب أو خلق. ولا فِي اقتصاد أو اجتماع. ولا مكان كذلك للتوجه لغير الله فِي شأن من شؤون الحياة ، وما بعد الحياة.. أما فِي تلك التصورات الزائغة المنحرفة المهزوزة الغامضة فلا متجه ولا قرار ، ولا حدود لحرام أو حلال ، ولا لخطإ أو صواب: فِي شرع أو نظام ، فِي أدب أو خلق ، وفي معاملة أو سلوك.. فكلها.. كلها.
.إنما تتحدد وتتضح عندما تتحدد الجهة التي منها التلقي ، وإليها التوجه ، ولها الطاعة والعبودية والاستسلام.
ومن ثم كانت هذه المواجهة بذلك الحسم فِي مفرق الطريق:
{الله لا إله إلا هو الحي القيوم} ..
ومن ثم كان التميز والتفرد لطبيعة الحياة الإسلامية - لا لطبيعة الاعتقاد وحده - فالحياة الإسلامية بكل مقوماتها إنما تنبثق انبثاقاً من حقيقة هذا التصور الإسلامي عن التوحيد الخالص الجازم. التوحيد الذي لا يستقيم عقيدة فِي الضمير ما لم تتبعه آثاره العملية فِي الحياة. من تلقي الشريعة والتوحيد من الله فِي كل شأن من شؤون الحياة. والتوجه كذلك إلى الله فِي كل نشاط وكل اتجاه.
وعقب هذا الإيضاح الحاسم فِي مفرق الطريق ، بإعلان الوحدانية المطلقة لذات الله وصفاته ، يجيء الحديث عن وحدانية الجهة التي تتنزل منها الأديان والكتب والرسالات. أي التي يتنزل منها المنهج الذي يصرف حياة البشر فِي جميع الأجيال:
{نزل عليك الكتاب بالحق - مصدقاً لما بين يديه - وأنزل التوراة والإنجيل من قبل - هدى للناس - وأنزل الفرقان. إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد. والله عزيز ذو انتقام} .
وتتضمن هذه الآية فِي شطرها الأول جملة حقائق أساسية فِي التصور الاعتقادي ، وفي الرد كذلك على أهل الكتاب وغيرهم من المنكرين لرسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - وصحة ما جاء به من عند الله.