قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ جَادَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُتَشَابِهِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِمَّا فِي أَمْرِ عِيسَى، وَإِمَّا فِي مُدَّةِ أكُلُهِ وَأُكُلِ أُمَّتِهِ، وَهُوَ بِأَنْ تَكُونَ فِي الَّذِينَ جَادَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُتَشَابِهِهِ فِي مُدَّتِهِ وَمُدِّهِ أُمَّتِهِ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} دَالٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ إِخْبَارٌ عَنِ الْمُدَّةِ الَّتِي أَرَادُوا عِلْمَهَا مِنْ قِبَلِ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، فَأَمَّا أَمْرُ عِيسَى وَأَسْبَابُهُ، فَقَدْ أَعْلَمَ اللَّهُ ذَلِكَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتَهُ وَبَيَّنَهُ لَهُمْ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَعْنِ إِلَّا مَا كَانَ خَفِيًّا عَنِ الْآحَادِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ ابْتِغَاءُ الشِّرْكِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ ابْتِغَاءُ الشُّبُهَاتِ
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ إِرَادَةُ الشُّبُهَاتِ وَاللَّبْسِ، فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَيْلٌ عَنِ الْحَقِّ وَحَيْفٌ عَنْهُ، فَيَتَّبِعُونَ مِنْ آيِ الْكِتَابِ مَا تَشَابَهَتْ أَلْفَاظُهُ، وَاحْتُمِلَ صَرْفُهُ فِي وُجُوهِ التَّأْوِيلَاتِ، بِاحْتِمَالِهِ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ إِرَادَةَ اللَّبْسِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ، احْتِجَاجًا بِهِ عَلَى بَاطِلِهِ الَّذِي مَالَ إِلَيْهِ قَلْبُهُ دُونَ الْحَقِّ الَّذِي أَبَانَهُ اللَّهُ فَأَوْضَحَهُ
بِالْمُحْكَمَاتِ مِنْ آيِ كِتَابِهِ.