وإن لم يكن فِي تقدير الجزم ، نحو: الذي يأتينى له درهم.
والأولى أن يكون معطوفا كما تقدَّم ، ووجودُ الأنفس ما
عملت: تصوره لها من حيث لا يخفى عليها ، ونحوه مما دل على
ذلك قوله: (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)
وقوله: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ)
فاستنساخه وإحصاؤه: إذكارهم به حتى يعلموه ، فإن من صفة
علم الإِنسان أن تحصل صورة المعلوم فِي قلبه وثبوت الصورة في
، القلب أوكد كتابة ، ويجوز أن يكون معنى (تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ) .
أي جزاء ما عملت من خير وشر.
إن قيل: ما فائدة حذف الجزاء فِي هذا المكان ونحوه من قوله: (ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ) ، وقوله: (ذُوقُوا مَا كنُتُم تَكْسبُونَ) .
وقوله: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ(7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) ؟
قيل: لما أراد أن ينبِّه أن الإِنسان لا يُبخس حظه فيما يفعل من خير ، ولا يُزاد عليه فِي جزاء ما يفعل من شر ، ذكر نفس الفعل دون الجزاء ؛ تنبيهاً له أن فعله مستوفى بالجزاء ، حتى كأنه هو ، كقولك: زيد هو أبوه بعينه.
إذا أريد المبالغة فِي التشبيه به ، وإعادة قوله: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) ، توكيد
واستظهار عليهم.
فإن قيل: وكيف علَّقه بالرأفةِ ؟
قيل: تنبيها لأمن المحبوب من حبيبه ، ولهذا قال النبي عليه
الصلاة والسلام مخبراً عن الله:"لا يزال العبد يتقرَّب إليَّ"
بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به.
وبصره الذي يبصر به"الخبر."
قوله عز وجل: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ(32)