بقوله: (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ) ، وكمن وصفهم بقوله تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ) الآية ، بين أنه لا يخفى عليه ذلك ، بل لا يخفى عليه ما فِي السماوات والأرض ، وهو قادر عليهم ، وإذا كان قادراً وعالماً بالسرائر فحق أن يُحْذَرَ.
إن قيل: لِمَ قدَّم الإِخفاء على الإِبداء ، ومن البادي يُتَوَصَّل
إلى الخافي ، وقضيّة المتمدح أن يقول فلان لا يفوتني: مشى أو
عدى ولا يكاد يُقال: عدى أو مشى ؟ قيل: لما كان العلم يظهر في
النفس ، ثم يبرز بالقول أو بالكتاب صار الخافي سبباً للبادي ،
فنبه بذلك أنه يعلم الشيء منا قبل أن نُظهره ، وأنه يستوي عنده
السر والجهرُ ، وعلى هذا قال: (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ) ، وقال: (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ) ، فقدم الشر فِي هذا الموضع.
وقال فِي موضع: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ) فقدم الإبداء تنبيها أنهما عنده سواء.
قوله عز وجل: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ(30) .
تقديره: يحذركم نفسَه يومَ تجد ، أو اذكر يومَ تجد ،
أو الله على كل شيء قدير يوم تجد.
وقوله: (مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ) مفعول تجد ، (وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ) معطوف عليه ، كأنه قيل: وما عملت من سوء محضراً ، وتوفيّ: فِي موضع
الحال ، وقيل: و (مَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ) استئناف ، إما جزاء
و (تَوَدُّ) جوابه ، وعلى هذا لو قرى (تَوَدُّ) بالفتح أو بالكسر
لجاز ، وإما أن يكون بمعنى الذي متضمنا لمعنى الشرط ،